لينابريس

في وجدة، حيث يتقاطع الفن مع نبض الحياة اليومية، يواصل المسرح شقّ طريقه بين الحلم والإمكان، بين ما يُنجَز على الخشبة وما يُبنى في الكواليس من صبرٍ وتجربةٍ وتراكم. هناك، لا يُقاس الحضور بالكلام، بل بما يتركه العمل من أثر، وبما ينجح في تحويل الفكرة إلى كائن حيّ يتنفس أمام الجمهور.
وفي هذا السياق، يطيب لنا أن نُهدي التهاني إلى الشركة الشرقية للصحافة والإنتاج الفني وجمعية عالم التنشيط للإبداع الفني، وهما اسمان بصما حضورهما في المشهد الثقافي المحلي، لا كعابرين، بل كفاعلين راكموا التجربة، وراهنوا على الفعل المسرحي باعتباره مسؤولية جمالية وثقافية قبل أن يكون مجرد إنتاج ظرفي.
لقد استطاعت هاتان التجربتان أن تمنحا لمشاريعهما روحًا تتجاوز الورق إلى الخشبة، وأن تُحوّلا الاشتغال الفني إلى مسار قائم على الاجتهاد، والانضباط، والبحث المستمر عن صيغة تُقنع الجمال قبل أن تُقنع اللجان. ولذلك، فإن ما تحقق من استفادة هذا الموسم ليس حدثًا إداريًا فحسب، بل هو امتداد طبيعي لمسار طويل من الاشتغال والتجريب والإصرار على الاستمرار.
وفي المقابل، وكما هو شأن كل فعل ثقافي قائم على الاختيار، فإن باب الدعم لا يتسع لكل الأصوات في اللحظة نفسها. فبعض المشاريع التي لم يُكتب لها الاستفادة هذا الموسم، لم يكن غيابها حكمًا نهائيًا، بقدر ما هو تعبير عن لحظة تنافسية دقيقة، تُقاس فيها الأعمال بمدى نضج تصورها، وقدرتها على التحول من فكرة إلى مشروع قابل للحياة. وهي لحظة تدعو، في جوهرها، إلى مزيد من الاشتغال على الرؤية، وعلى أدوات الكتابة والتدبير الفني، لا باعتبارها نقصًا، بل باعتبارها جزءًا من مسار التكوين المستمر.
إن الدعم، في نهاية المطاف، ليس غاية في ذاته، بل محطة من محطات الاعتراف بمسار يُبنى بصبر طويل، حيث يتقاطع الإبداع مع التنظيم، والحلم مع القدرة على تحويله إلى أثر ملموس.
وهكذا يظل المسرح في وجدة فضاءً مفتوحًا على الاحتمال: يكرّم من راكم التجربة، ويدعو الآخرين إلى مواصلة الحفر في اللغة، وفي الصورة، وفي الفكرة، حتى يصبح ما لم يتحقق اليوم، ممكنًا في الغد.






تعليقات
0