سليمان العلوي
عندما نتحدث عن الإنتاج/الصناعة، فنحن نتحدث عن فاعلية الكائن الاجتماعي، أي اسهاماته في مسارات التغير والتطور الذي يحدث بايقاعات مختلفة وبسرعات متفاوتة في المجتمعات، طبقا للمتغيرات المرتبطة بذلك. وسمة الإنتاج، إن ارتبطت في الغالب، من حيث دلالاتها واستعمالاتها، بقطاعات الاقتصاد والصناعة، فإنها تمتد لتعم كل ما يرتبط بخلق الإنسان، فكر، آدب، فن، نمط سلوك.. وكل مجتمع/ دولة إلا وعرف بتميزه في جعل مجال للإنتاج يَتَجَلّى. غير أن بعض المجتمعات تعجز على أن تكون في مصاف من يكون خلقهم إيجابيا ومؤثرا، فلا هي أفلحت في تقدم الصناعة أو العلوم أو الثقافة، إنما واقعها لا يغلب على انتجاتها إلا الضجيج، الذي يصبح منظما ومهيكلا، فيسود على غيره، بل يحاكم الانتاجات الأخرى ويقرر في مصيرها، فتجد من لا يفقه في الاقتصاد شيئا وقد فسر التقلبات التي تشهدها الأسواق، فيفسر الركود والتضخم والنمو والرخاء. وآخر تجده قد قرر في أحوال الدول والأنظمة السياسية وصراعاتها ومآلاتها، حتى أنه يتفوق على الفاعل السياسي، فيما يبديه من تمكن..
وقدرتنا، نحن المجتمعات المفرطة في إحداث الضوضاء، على ممارسة هذا الفعل وإعادة إحداثه، لا متناهية. فنحن لا نكل ولا نمل، نفرط في إبداء علامات الضجيج، وكأنها علامات نبوغ وتميز، فتمتزج أصواتنا في الأسواق والمقاهي والشوارع والمؤسسات لتحدث صخبا، حتى أننا أصبحنا أناس يبرعون في الحديث عن الموضوع الواحد في نفس الآن، نتحدث جميعا دون أن ينصت أحد. المهم أن نتحدث ليكون لنا دور في إنتاج الضجيج، فنحن نستقوي به لِنَظْهَر، إذ نعجز عن أن نكون بأدوار فردية بارزة. بل فعلنا الاجتماعي هذا ينبغي أن يكون في فعل الجماعة ليذوب فيها.
وسلوكنا هذا، يجعلنا لا نقوى على استجماع قوانا في إنتاج مفيد وناجع، لأننا نكون قد أهدرنا جهدنا في فعل، صار اليوم منظما ومهيكلا، بحيث أضحت وسائله وكأنها مؤسسات ذات مشروعية؛بعدما أضحت شرعية، حتى أنه لا يسمع صوت إلا للذي يحسن إحداث الضجيج.وهذا الفعل لا يرتبط فقط بالأنشطة اليومية الاعتيادية والأحداث البسيطة والمبتذلة، وإنما هو سلوك يحضر حتى في القضايا المحورية سواءً كانت سياسية أو اقتصادية أو رياضية أو قضايا رأي عام.
وحجم الضجيج الذي يثار حول قضية ما، يوهم بأن التغيير الذي يراد سيحدث لا محالة، فالصخب الذي تقدم به مشاريع إصلاح قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والإقتصاد، يجعلنا نتوهم بتمخض نتيجة منتظرة من ذلك، لكن سرعان ما نتفاجأ بأن الهدف الذي أريد تحقيقه هو الضجيج نفسه. والعملية تتكرر بلا كلل ولا ملل، وكأننا أمام تعاقد خفي لحدوث ذلك، إذ نخفق في مشروع، ثم نحدث الضجيج في غيره، في إعادة لا متناهية للفعل نفسه.
الفعل يبدو كموروث نخشى اندثاره، لدرجة أنه أصبح علامة أصيلة في كل أنشطتنا الإجتماعية والمؤسساتية. وبقدر تمرسنا في ذلك، صرنا لا نتعب من القيام به.
يبدو، إذن، أننا مجتمع لا يكف عن إحداث الضجيج دون أن نكون قادرين على الكلام، الذي يقتضي موقفا وشروطا وتنظيما. وهي عملية تشبه من يعوض عجزه عن إنتاج أصيل لمنتوج ما، فيستعيض عن ذلك بإحداث نسخة مزيفة ومشوهة. ونحن نسخ مشاريعنا وإنجازاتنا جعلناها في قلب ضجيجنا.
وضع كهذا لا يزعجنا في شيء، فحكوماتنا تحدثه حول مشاريع غير منجزة، ونحن نتفاعل سلبا أو إيجابا مع ذلك. يحدث ذلك معنا في تناسق تام، وفي احترام كامل لأدوار كل منا في العملية. وحدهم الحقيقيون سينزعجون، أما نحن فقد إعتدنا أن نعوض بضجيجنا كل عجز، بل قد نجعل به إخفاقاتنا إنتصارات عظيمة.





تعليقات
0