قل لي ما رأيك :إيران تكشف ما تتجاهله الدول: لا سيادة دون صمود… ولا صمود دون جبهة داخلية..

لينا بريس الإثنين 20 أبريل 2026 - 15:07

الدكتورحسن زكي

في زمننا الذي أصبحت تتسارع فيه الأزمات الدولية، سيكون مخطئا من يعتقد أن الحروب تُحسم على حدود الدول.
بمقارنة حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، مع مواجهات أو حروب أخرى كالتي كانت على العراق أو ڤينزويلا أو سوريا أو ليبيا أو …، سنكتشف حقيقة قاسية و مخيفة. أن قوة الدول لا تُختبر حين تُهاجَم أو تتلقى ضربات عسكرية، بل حين تُحاصَرُ من الداخل.
لم يعد السؤال اليوم في الحروب، حول من يملك السلاح الأقوى ، و إنما حول من يملك القدرة على الصمود و الاستمرار.
هنا بالضبط تبدأ حروب السيادات. فالدول التي تستورد طاقتها لا تملك قرارها و إنما كأنها ستأجره، وأي اضطراب في ممرات حيوية مثل مضيق هرمز كفيل بأن يحول الاستقرار إلى وهم خلال أيام. و به لم تعد الطاقة رافعة سيادة و إنما اختبارا لها.
أما السيادة الغذائية، فتُعتبر الفاصل بين الدولة والمجتمع. إذا كان بإمكان الجيوش أن تنتظر فالشعوب ليس بإمكانها. لا يمكن للدولة التي لا تطعم شعبها أن تطلب منه الصمود. ففي لحظة الأزمة يتحول القمح أو الخبز الأرز إلى قرار سيادي ويتحول سوق الأغذية إلى أداة ضغط.
السيادة المائية بدورها تعتبر حربا صامتة داخل الحدود. فهي لا تُعلن لكنها تُحسم ببطء. كل نقص في الماء يؤدي إلى تراكم في الهشاشة وكل هشاشة تؤدي إلى أزمة سياسية قادمة. بذلك لا تنهار الدول فجأة و إنما تتآكل.
مع ذلك، لا تزال دول وأحزاب عربية و غير عربية عديدة تتعامل مع هذه السيادات الطاقية والغذائية والرقمية والأمنية …الخ.، على أنها قطاعات منفصلة، بينما الواقع أنها شبكة واحدة تقي المجتمع و الدولة و مصالحها الوطنية.
بعدما كانت السيادة تعني التحرر من استعمار مباشر واسترجاع القرار الوطني من يد قوة أجنبية مستعمرة أو مهيمنة، أصبحت السيادة اليوم مجرد اختبار في الغذاء والطاقة والبيانات و الخوارزميات و الأمن و الأسواق…الخ، . لم يعد التحدي، كما كان عسكريا فقط، بل اقتصاديا وتقنيا واستراتيجيا.
وفي هذا السياق و في ظل التحولات العالمية التي نعيشها و الحروب من أجل الاستحواذ أو الهيمنة على مصادر الطاقة و التحكم في الاقتصاد العالمي و في الأسواق و التكنولوجيات الاستراتيجية و حتى في الثقافات و الأديان بالقوة، لم يعد يكفي رفع شعار السيادة في الخطاب السياسي بطريقة مجزئة و كأنه نوع من التضليل. فإما أن يتحول إلى مشروع واضح يربط الاستقلال الاقتصادي للدولة بالعدالة و التنمية الاجتماعية الحقيقية، أو أن يبقى مجرد غطاء لسياسات تقليدية. فالسيادة اليوم لا تعني الانغلاق، بل القدرة على الاندماج دون الذوبان، والتفاوض دون التفريط في القرار الوطني.
في السياق نفسه، لا يمكن اختزال الفساد السياسي والمالي والقضائي في مجرد اختلالات تُعالج بمنطق تقني أو محاسباتي ضيقين، لأنه في حقيقته تقويض مباشر للسيادة. فهو لا يستنزف الموارد فحسب، بل ينسف الثقة ويشل القرار في لحظات الحسم. فالدول لا تسقط بأعدائها فقط، بل بما يتآكل في داخلها.
الدول لا تصمد لأنها أقوى عسكريا، بل لأنها أكثر تماسكا. فاستيعاب إيران للضربات الأولى، رغم قساوتها لم يكن مظهر قوة بقدر ما كان دليل قدرة مؤسساتية ومجتمعية على الاستمرار تحت الضغط. في لحظات الصدام لا يُختبر السلاح، بل يُختبر النظام ككل. فالتحول الأخطر قد يحدث بعيدا عن انفجارات الحرب. لأن السيادة الأمنية لا تقتصر على حدود الدول فقط، بل تتجلى في المجتمع و ووعيه.
أما السيادة أو الرأسمال الخوارزمي، فلم يعد في زمننا شأنا هندسيا أو تقنيا، بل أصبح أداة تواصلية لإعادة تشكيل الرأي العام نفسه. فمن يتحكم في البيانات لا يؤثر في القرار فقط، بل يصنع شروطه، ويعيد تشكيل الجبهة الداخلية التي يقوم عليها أي صمود وطني.
خلف كل ما سردنا، تصعد قوى أخرى. رؤوس أموال عابرة للحدود لم تعد تضغط على الدول فحسب، بل بدأت تعيد تعريفها. هذه القوى التي نشأت في ظل العولمة، تخشى انهيار النظام الذي وفر ظروف إمكانية صعودها، وقد تدافع عن مصالحها بشراسة تجعلها تمتد إلى مفاصل الجبهة الداخلية، فتتحكم في السيادات. الطاقة، الغذاء، المال، البيانات… أي في شروط البقاء نفسها.
نحن أمام منعطف تاريخي لا يمكن تجاهله، حيث تبدو إعادة تعريف السيادة أحد الأبعاد الخفية للعولمة. فلم تعد السيادة مسألة حدود، بل قدرة على التحكم في شروط الحياة وفي نفس الوقت لا يمكن تصورها خارج جبهة داخلية متماسكة. كما لم تعد الحروب مواجهة بين جيوش و إنما صراعا على امتلاك شروط الصمود والاستمرار.
في النهاية، لا تخسر الدول لأنها انهزمت عسكريا، بل لأنها فقدت السيطرة على شروط بقائها وتماسك جبهتها الداخلية. وعندها لا تسقط السيادة، بل سنكتشف أنها لم تكن قائمة من الأصل.

تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 11 أكتوبر 2026 - 01:14

حريق يأتي على حلم شابتين من الحسيمة بعد 3 أشهر فقط من افتتاح مشروعهما

السبت 10 أكتوبر 2026 - 22:53

جمعية مدرسي اللغة الأمازيغية بفرع الحسيمة تدق ناقوس الخطر بشأن تدريس الأمازيغية وتطالب بتدخل عاجل لإنصاف المدرسين

السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:55

المجلس الوطني لهيئة الموثقين بالمغرب يعلن عن إطلاق مشروعين هيكليين يندرجان ضمن دينامية تطوير الممارسة المهنية.

السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:43

الحسيمة: شجار بين زبون سويدي ونادل ينتهي بتدخل الأمن وتخريب مقهى