بقلم : سليمان العلوي
أبدع اليونانيون، في عصرهم الذهبي، الديمقراطية، كما ابدعوا غيرها. ثم نبذها فيلسوفهم العظيم أفلاطون، لأنها صارت وسيلة لتغليب الباطل على الحق، والوهم على الحقيقة، تحت دريعة إرادة الأغلبية. وهو ما كان عند محاكمة أستاذه سقراط، لأنها مُنِحَت للغوغاء، فبطشوا بها. نستحضر هذا في سياق تتبعنا و انتظاراتنا المرتبطة بالاستحقاق الانتخابي المقبل بالمغرب، فالانتخابات آلية أساسية في ممارسة السياسة الحديثة، تعتمدها الدول والشعوب لانتقاء الأفضل لمستقبل بلدانهم، ولتفعيل خيار الديمقراطية. و في خضم ذلك تتكلف الأحزاب بمهمتها المتمثلة في انتقاء نخبة من أفضل أطرها ومناضليها لخدمة البلد وتدبير شأنه العام، باعتبارها مؤسسات سياسية تعكس التوجهات والخيارات الاديولوجية والسياسية للمواطنين. وهي مهمة، من بين مهام أساسية، تعزز دورهم في الفعل السياسي. وبما أن الأحزاب هي التي تفرز هذه النخب من الكفاءات بعد استقطابها وتأطريها ، فإن المواطن/الشعب ينظر إليها بترقب كبير، أي ما يمكن أن تدفع به من مرشحين للإستحقاق الانتخابي، لكي يتسنى له اختيارهم على رأس المؤسسات المحلية والوطنية أملا منه في أن تتحقق من خلالهم حاجياته الاساسية ومصالحه الضرورية. غير أنه قد يخيب ظنه، حتى قبل التعرف على نتائج الاستحقاق، كيف لا والمبدأ الذي تعتمده معظم الأحزاب قد يدفع بأشخاص إلى موقع القرار وهم لا يملكون من الكفاءة والمؤهلات ما يخول لهم تقمص مواقع التدبير والتسيير. يحدث ذلك تحت مبرر حق المغاربة في الترشح وتقديم أنفسهم لمناصب على قدر كبير من الأهمية، وأنه لا يحق لأحد إقصائهم أو الاعتراض على ممارستهم لحقهم الدستوري.صحيح، المبدأ يبدو جذابا وديمقراطيا، إذ أنه لا يمكن إعتراض طريق شخص يريد تقديم خدمة لبلده. لكن ذلك لا يجب أن ينسف مبدأ الكفاءة والمقدرة التي ينبغي أن تحضر في شخص مدبر الشأن العام، وإن حدث العكس، فإن مصالح وانتظارات الشعب تصبح في مهب الريح. وطبقا لطريقة اختيار الأحزاب لمرشحيهم، يمكن توقع واقع المؤسسات العمومية والتشريعية، إذ لا ينتظر من منتخب غير مؤهل أن يساهم في تقدم قطاع ما، فمؤهلاته لا تسعفه للقيام بما يجب القيام به في موقعه، لكن الديمقراطية الجوفاء وضعته في الموقع الذي لا يجب أن يكون فيه. والمرجح في الواقع السياسي المغربي هو اعتماد كل الطرق التي يمكن أن تخول للحزب احتلال مراتب متقدمة في الاستحقاق الانتخابي، بما فيها اختيار مرشحين تنعدم فيهم كفاءة التدبير والتسيير، لمجرد كونهم قادرين على الفوز بمقاعد، بسبب صيتهم الإجتماعي وموقعهم الطبقي/المادي، ما يجعلنا أمام فئة “أعيان” تزيح الكفاءات الحقيقية، و أحيانا يتم التضحية حتى بمناضلي الأحزاب، بعدم منحهم التزكية الحزبية من أجل منحها لوافد جديد يمتلك أدوات ودهاليز التدافع السياسي بشروطه الغريبة. تصنع بذلك النخب السياسية، بما تقدم عليه من خيارات، مشهدا مربكا لكل طموح شعبي في تغيير مأمول. كما أن هذا المنطق الذي تحتكم إليه معظم الأحزاب السياسية، جعل منها وجها واحدا لعمولات متعددة، أو أنها عملة واحدة في أصلها. فعندما تسمع خطابها و مواقفها، تشك في كونها بمرجعيات و اديولوجيات مختلفة. برامج ومواقف وأساليب مستنسخة لا تلمس فيها أي خلفية اديولوجية-نضالية. كل ذلك جعل الديمقراطية المبتغاة محل تساؤل، فَإِنْ فقدت مضمونها وكنهها، فلا جدوى من كل الاجراءات التي نعتقد أننا نسلك بها مسلكا ديمقراطيا. وبالتالي تصبح كل مشاريع التنمية والاصلاح المنشودة عصية أمام الافتقاد إلى الطاقات البشرية المؤهلة لانجازها. وبما أن هذه المؤسسات التي يشرف على تدبيرها منتخبون مرتبطة بشكل مباشر بالأوضاع العامة للمواطنين، فإنه كان يفترض أن تعتمد شروط دقيقة وصارمة لانتقائهم مثلما يحدث في اختيار موظفين لمهن أخرى، إذ لا يصح أن نضع شخصا غير مؤهل لتدبير مجال يمتد فيه التعثر والخطأ إلى الأوضاع العامة للمواطنين.
الديمقراطية المغشوشة





تعليقات
0