نورالدين قربال
توطئة:
تنقسم القراءات للسيرة النبوية إلى قسمين: قراءة تحنيطية جامدة وأخرى سننية، وسؤال القراءة سؤال منهجي بامتياز، يدخل في أبحاث الفكر الإسلامي. حيث يتم الاجتهاد بين أحضان سيرة المصطفي عليه الصلاة والسلام من أجل الوصول إلى رسم معالم سننية كونية واجتماعية، يستعان بها في البناء الإنساني والعمراني عل جميع المستويات. لذلك قالوا في الشعر الذي قيل بعد موته المديح النبوي وليس الرثاء، بحجة أن هذا الشعر موجه إلى الذات النبوية التي جاءت برسالة اختارها الله تعالى للعالمين، ومن تم كانت رسالته رحمة للعالمين.
من خلال هذه المقاربة السننية سنعتمد المحاور التالية:
اهتمام المغاربة بالسيرة النبوية: الدوافع والأبعاد
ذهب الأستاذ عبد المجيد بن ياسين في مقاله “عناية المغاربة بالسيرة النبوية” الوارد في موقع حركة التوحيد والإصلاح أكتوبر 2022، إلى ان هذا الاهتمام نبع من إيمانهم برسول الله عليه الصلاة والسلام، ومحبته، والتعلق به، والتمثل بأخلاقه (كان خلقه القرآن) لذلك اتخذوه قدوة لهم لأنه على خلق عظيم مؤكدا الكاتب على أن بعدهم من الدار زادهم التعلق به، فاستبدلوا بعد الدار بقرب القلب، إذن لم يمنعهم الابتعاد الحسي من التقرب المعنوي والقلبي. ومن تجليات هذا التعلق حسب الكاتب توقير المغاربة لأهل البيت، واختيار قراءة الإمام نافع وهو قارئ مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومذهب الإمام مالك إمام أهل المدينة. لذلك وظف المغاربة دراسة السيرة النبوية في التربية والتعليم وفي المجالس العلمية وغيرها.
استحضر الكاتب قولة للدكتور محمد يسف الكاتب العام السابق للمجلس العلمي الأعلى بالمغرب عندما قال بتصرف:( إن السيرة النبوية يوم تأخذ موقعها في مناهج المسلمين، ويوم ينطلقون في تصوراتهم من منطلق القدوة، يومئذ فقط إن صح أن يقال عنهم، إنهم في حالة إقلاع حقيقي)، هذا التصور عميق لأنه يرسم معالم التقدم في استنباط ما ينفع من السيرة النبوية، لذلك نؤكد على القراءة السننية للسيرة النبوية. من اهتمام المغاربة بالسيرة النبوية حسب المرجع السابق نذكر بعض الأعلام: مجد الدين بن دحية السبتي، والإمام العزفي السبتي، ومحمد بن جعفر الكتاني، وحفيد ابن مرزوق التلمساني، والمختار الشنقيطي التيجاني، وعبد العزيز البكري الأندلسي، وعلي بن محمد اللخمي الإشبيلي، والقاضي عياض السبتي، وغيرهم كثير.
عبرعن هذا الزخم على مستوى الـتأليف الدكتور سعيد بيهي كما ورد في المقال بما يلي: (فالشاهد أن العلماء المغاربة اعتنوا بسيرته من مولده إلى مبعثه وإلى وفاته وما يتخلل كل هذه المراحل من التفاصيل لأنها تمثل الإنسان الكامل، بل تمثل كما يقول أهل العلم الكمال المحمدي الذي ارتضاه الله عز وجل نموذجا لتجسيد ما أراده من خلقه).
نستنبط من هذا الكلام أن الاعتناء بالسيرة النبوية من قبل المغاربة لم يكن اعتباطيا، بل مدروسا دراسة علمية تستهدف السنن والمقاصد، أهمها عرض النموذج للإنسان الكامل رمز للعلم في ظل الجلال والجمال والكمال المحمدي، وهذا هو الطريق المستقيم لبناء الإنسان والحضارات من خلال ما ارتضاه الله تعالى لعباده.
نستنتج مما سبق بأن المغاربة لم يمنعهم البعد الجغرافي واستحضروا البعد الاستراتيجي والحضاري، لأن السيرة النبوية بالنسبة إليهم منهج حياة، حيث استحضروا الواقع المعيش لرسول الله عليه الصلاة والسلام معرفيا وعلميا وسلوكيا، وطبقوه على البيئة المغربية من باب ما جرى به العمل. صاحب كل هذا البعد المعنوي المتين حيث ترقى المغاربة في حب الله ورسوله، وتعلقوا بهما، وحولوا الموروث المدني إلى ممارسة كونية تربط بين المشرق والمغرب في إطار منظومة الرحمة. كما اتخذت الفتوى مسالك جديدة حيث تراعي الزمان، والمكان، والمآل، والأحوال. من تم رسموا خريطة طريق للأضواء النورانية في ظل عالمية الإسلام.
إنه الرشد في فهم الدين عن طريق القرآن والسيرة النبوية العطرة باعتباره ترقيا في المحبة والاقتداء بخير الأنام، لأن التنقيب في مناقبه يرفع درجات تعقل السلوك في ثنائية التحلية والتخلية. إنه الفتح المبين لأهل اليقين، لأنه تدبر في بداية الميلاد والبعثة والممات والشفاعة يوم الحساب. كيف لا يدرك العبد هذه الكرامات وهو يمتح حضوره ووجوده من شمس الهداية وقائدها بأمر إلهي محكم؟
إن قراءة السيرة النبوية بمنهج سنني تبلغنا إلى عمادة قوية وخيرية متبصرة ودعوة إلى الحق المبين. شاملة للأبعاد التربوية والإنسانية، والشعور بالأنس واللطف بين أحضان سيرة المصطفي عليه الصلاة والسلام. من تم كان اهتمام المغاربة بالسيرة النبوية له أسس عقدية وتعبدية واجتماعية وثقافية ومنهجية وجيوسياسية، ونفسية كل هذا أسس للنبوغ المغربي الذي ظل وتطور خلال قرون وساهم في كل الأجيال التي تعاقبت على الأمة المغربية.





تعليقات
0