سبتة… البحث عن كنز السياسة المفقود

لينا بريس الجمعة 31 يوليو 2026 - 09:40

الدكتورحسن زكي

كلما شهدت سبتة كما جنوب إسبانيا أو جزر كانارياس، محاولات جديدة للهجرة، يتم توجيه النقاش بسرعة إلى تشديد المراقبة، وتشخيص الأسباب الاقتصادية والاجتماعية، وتبادل الاتهامات حول المسؤوليات. قليلون من يتوقفون عند السؤال السياسي الأعمق و الأهم التالي:
لماذا أصبح جزء من المواطنين يرى مستقبله خارج وطنه؟ ولماذا في الوقت نفسه، يرى جزء آخر أن المشاركة في الانتخابات لم تعد تستحق عناء الذهاب إلى صناديق الاقتراع؟

قد يبدو لنا أن الهجرة و العزوف الانتخابي قضيتان منفصلتان، لكنهما في الحقيقة تعبيران مختلفان عن سؤال واحد.
ما هي طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة؟ فالأول يصوت بقدميه، والثاني يصوت بصمته. الأول ينسحب من المجال الجغرافي، والثاني ينسحب من المجال السياسي.
و في الحالتين، تكون الرسالة واحدة و تهم بالضبط، تراجع الثقة في قدرة السياسة على فتح أفق للمستقبل.

هناك أمور أو قضايا يفترض أن تكون محسومة في حياة كل دولة مستقرة. ليس لأنها مفروضة بالقانون، بل لأنها مستقرة في وجدان المواطنين. فالاستقرار في الوطن أو الرجوع إليه بعد هجرته ليس مجرد اختيار جغرافي، والمشاركة في الانتخابات ليست مجرد حق دستوري، بل هما تعبيران عن الثقة في الدولة والإيمان بالمستقبل. إنها المؤشرات الأساسية التي تقيس قوة العلاقة بين الدولة ومواطنيها. فحين يقتنع المواطن بأن مستقبله في وطنه، وأن صوته الانتخابي يمكن أن يحدث فرقا، تكون السياسة قد نجحت في أداء وظيفتها. أما حين يصبح البقاء بالبلد أو الرجوع إليه محل تردد، والمشاركة في الانتخابات محل تشكيك، فإن الخلل لا يكون في المواطن وحده، بل في السياسة نفسها.

بذلك فأخطر ما يمكن أن يحدث لأي دولة ليس أن يختلف مواطنوها حول حزب أو حكومة أو سياسة عمومية، وإنما أن يبدأوا في الاختلاف حول هذه البديهيات نفسها. فعندما ينقسم المجتمع بين من يرى مستقبله داخل الوطن ومن يعتبر الهجرة مشروع حياته، وعندما ينقسم بين من يرى في الانتخابات وسيلة للتغيير ومن يعتبرها بلا جدوى، فإن النقاش يكون قد انتقل من مستوى السياسات إلى مستوى العلاقة بين الدولة والمواطن.

للأسف تم اختزال السياسة في المغرب، خلال السنوات الأخيرة، في الانتخابات. حيث أصبح النقاش ينحصر في من سيفوز، ومن سيخسر ، ومن سيلتحق بهذا الحزب أو ذاك، ومن سيقود التحالفات المقبلة ليصبح رئيس حكومة، بينما غاب السؤال التالي الذي ينبغي أن يسبق كل استحقاق انتخابي في مغرب تمنع فيه استطلاعات الرأي للأسف:
هل ازدادت ثقة المواطن في دولته؟ وهل أصبح أكثر قناعة بأن مستقبله يوجد في وطنه؟ وهل بات أكثر استعدادا للمشاركة في بناء هذا المستقبل؟

و إلا عندما تبتلع الانتخابات السياسة، يصبح الانتصار الانتخابي هدفا في حد ذاته، لا وسيلة لخدمة المجتمع. وتصبح المقاعد غاية، وتتحول التحالفات والتنقلات الحزبية إلى الحدث السياسي الأبرز. وينشغل الرأي العام بمن ربح ومن خسر، ومن غادر هذا الحزب إلى ذاك، بينما يتراجع السؤال الحقيقي:
هل نجحت السياسة في بناء الثقة؟ وهل جعلت المواطن أكثر تمسكا بوطنه وأكثر إيمانا بجدوى المشاركة؟

فالدولة لا تُقاس فقط بمؤشرات الاقتصاد أو بحجم الاستثمارات أو بعدد الأوراش الكبرى، مهما كانت أهميتها. فهذه مؤشرات ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها لقياس مدى متانة العقد الذي يربط الدولة بمجتمعها.
هناك مؤشرات أخرى أكثر عمقا، كنسبة المواطنين الذين يريدون البقاء في وطنهم؟ وكم منهم يرون أن صوتهم يستحق أن يُدلى به؟ فإذا بدأ هذان المؤشران في التراجع، فإن الأمر يستحق وقفة سياسية قبل أن يكون نقاشا انتخابيا.

ومن هنا، فإن ما تكشفه سبتة لا يتعلق بالحدود فقط، بل بالسياسة أيضا. فهي ليست مجرد نقطة عبور نحو الضفة الأخرى، بل مرآة تعكس أسئلة الداخل. كما أن نسب المشاركة في الانتخابات ليست مجرد أرقام تعلنها الإدارة بعد إغلاق مكاتب التصويت، بل هي أيضا مرآة لدرجة الثقة التي يشعر بها المواطن تجاه المؤسسات.

للأسف أصبحنا نبحث عن الكنز السياسي في نتائج الانتخابات، وفي عدد المقاعد، وفي التحالفات و في الأشخاص، بينما الكنز الحقيقي يوجد في مكان آخر. في مواطن يختار البقاء في وطنه لأنه يؤمن بمستقبله فيه، وفي مواطن يتوجه إلى صندوق الاقتراع لأنه يعتقد أن صوته يمكن أن يغير شيئا. هذا هو كنز السياسة المفقود. الثقة.

ولذلك، فإن استرجاع السياسة التي ابتلعتها الانتخابات ليس ترفا فكريا أو فلسفيا و إنما ضرورة وطنية. فالسياسة لا تنجح عندما تكسب الأحزاب مقاعد أكثر، وإنما عندما تكسب الدولة مواطنين أكثر ثقة في كل مؤسساتهم. وحين يصبح الحديث عن الهجرة استثناء لا حلما، وتصبح المشاركة في الانتخابات عادة لا محل تردد، نكون قد عثرنا على كنز السياسة المفقود، لا في سبتة، ولا في صناديق الاقتراع، بل في استعادة الثقة التي تمنح السياسة معناها الحقيقي، وتمنح الوطن قدرته على الاحتفاظ بأبنائه.

تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 11 أكتوبر 2026 - 01:14

حريق يأتي على حلم شابتين من الحسيمة بعد 3 أشهر فقط من افتتاح مشروعهما

السبت 10 أكتوبر 2026 - 22:53

جمعية مدرسي اللغة الأمازيغية بفرع الحسيمة تدق ناقوس الخطر بشأن تدريس الأمازيغية وتطالب بتدخل عاجل لإنصاف المدرسين

السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:55

المجلس الوطني لهيئة الموثقين بالمغرب يعلن عن إطلاق مشروعين هيكليين يندرجان ضمن دينامية تطوير الممارسة المهنية.

السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:43

الحسيمة: شجار بين زبون سويدي ونادل ينتهي بتدخل الأمن وتخريب مقهى