لينابريس
أكد محمد سالم عبد الفتاح، الباحث المتخصص في قضية الصحراء، أن الموقف الأوروبي الأخير بشأن الصحراء المغربية والذي اعتبر ببروكسيل يوم أول أمس الخميس على هامش الدورة الـ15 لمجلس الشراكة بين المملكة المغربية والاتحاد الأوروبي أن “حكما ذاتيا حقيقيا قد يمثل أحد أكثر الحلول قابلية للتطبيق” من أجل التسوية النهائية للنزاع الإقليمي. يكتسي حسب سالم دلالة خاصة واستراتيجية، باعتباره صادراً بصيغة جماعية عن الدول الأعضاء السبع والعشرين ضمن بيان رسمي مشترك في إطار مجلس الشراكة المغربية الأوروبية، مشدداً على أن هذا التحول يعكس انتقالاً من “الغموض الاستراتيجي” إلى “الوضوح الوظيفي” في السياسة الأوروبية.
وأوضح عبد الفتاح، في حديثه مع موقع الثانية، أن أهمية هذا التطور لا تكمن فقط في مضمون التصريح الذي وصف مبادرة الحكم الذاتي بأنها من بين أكثر الحلول قابلية للتطبيق، بل تتجلى أساساً في طبيعته المؤسساتية التي تعكس توحيد الموقف الأوروبي حول مقاربة سياسية واحدة، بعد سنوات مما وصفه بالتباين أو التحفظ الضمني، حيث بات الاتحاد الأوروبي يكيف خطابه السياسي مع معطيات الواقع وموازين القوة الفعلية داخل المنظومة الدولية.
ويرى سالم أن ملف الصحراء يشهد خلال المرحلة الراهنة تحولاً لافتاً في مواقف عدد من الفاعلين الدوليين، في سياق دينامية دبلوماسية متصاعدة تقودها المملكة المغربية بشكل تراكمي ومنهجي. ويعكس هذا المسار، بحسب المتحدث، انتقال القضية من “منطق إدارة النزاع” إلى “منطق إعادة تشكيل بيئة الحل” وفق محددات الواقعية السياسية والاستقرار الإقليمي.
وفي تحليله لخلفيات هذا الموقف الأوروبي الجماعي، أشار عبد الفتاح إلى أنه يندرج ضمن مسار أوسع من إعادة التموضع الدولي تجاه نزاع الصحراء المغربية، تقوده قناعة متزايدة لدى القوى المؤثرة بأن استمرار النزاع بصيغته الحالية لم يعد يخدم متطلبات الأمن الإقليمي ولا مصالح الاستقرار في فضاء استراتيجي بالغ الحساسية يمتد من شمال إفريقيا إلى منطقة الساحل. وأضاف أن دعم مقترح الحكم الذاتي يشكل بالنسبة للاتحاد الأوروبي خياراً عقلانياً ينسجم مع منطق تقليص المخاطر وتعزيز الاستقرار في جواره الجنوبي، خاصة وأن الشراكة مع المملكة باتت ذات بعد استراتيجي تمس اهتمامات دوائر صنع القرار الأوروبية في قضايا الأمن والهجرة والطاقة.
وعن الاستراتيجية المغربية، أبرز الباحث المتخصص أن هذا التحول لا يمكن فصله عن الاستراتيجية متعددة المستويات التي اعتمدها المغرب خلال السنوات الأخيرة، والتي نجحت في الجمع بين ترسيخ واقع سيادته على الصحراء ميدانياً، وتوسيع دوائر الدعم الدبلوماسي، وإعادة تأطير مبادرة الحكم الذاتي كإطار مرجعي وحيد قابل للتطبيق ضمن منظور التسوية النهائية. ولفت إلى أن الدبلوماسية المغربية لعبت دوراً حاسماً في بلورة هذا التحول عبر الانتقال من الدفاع التفاعلي عن الموقف الوطني إلى الترافع الاستباقي داخل مراكز القرار الدولية.
واعتبر المصدر ذاته أن المقاربات المعاصرة لحل النزاعات تؤكد أن الحلول القابلة للاستدامة هي التي توازن بين الشرعية القانونية والواقعية السياسية، مفسراً بذلك تراجع الأطروحات الراديكالية التي يروجها خصوم المملكة، وعلى رأسها خيار الاستفتاء، لصالح حلول وسط تستجيب لمنطق العقلانية. وفي هذا الإطار، استطاع المغرب، وفقاً لعبد الفتاح، أن يعيد تقديم موقفه عبر نموذج عملي للحكم الترابي المرن ينسجم مع تحولات مفهوم السيادة في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تجمع المبادرة بين احترام وحدة الدولة وضمان مشاركة فعلية للساكنة في تدبير شؤونها، وتتقاطع مع أدبيات الحوكمة وحل النزاعات الإقليمية.
وخلص محمد سالم عبد الفتاح إلى أن ملف الصحراء دخل مرحلة جديدة تتسم بتقليص هامش المناورة أمام الأطروحات الانفصالية وتعزيز منطق الحسم التدريجي لصالح واقع السيادة المغربية. وأشار إلى أن التقاطع بين الدعم الأمريكي المتجدد والموقف الأوروبي الموحد، والتحولات داخل مجلس الأمن، يعكس تشكل بيئة دولية أكثر انسجاماً مع الطرح المغربي، مؤكداً أن تزايد الاعترافات وفتح القنصليات في الأقاليم الجنوبية هي مؤشرات على أن مغربية الصحراء باتت معطى سياسياً ودبلوماسياً آخذاً في التكريس دولياً، وأن مبادرة الحكم الذاتي أصبحت السقف السياسي الذي يُعاد ضمنه ترتيب مسار التسوية.






تعليقات
0