الدكتور حسن زكي
مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية لشتنبر 2026، تدخل الأحزاب المغربية المرحلة التي تكشف حقيقتها أكثر من كل الخطب والبرامج و الندوات والبلاغات. مرحلة توزيع التزكيات حيث تسقط اللغة الخشبية وتتراجع شعارات الكفاءة والديمقراطية وتجديد النخب و الشفافية و الحكامة و النموذج التنموي و المصلحة العليا و السيادة الرقمية و السيادة الغذائية و غيرها ….، ليظهر السؤال الحقيقي الذي يحكم جزءا كبيرا من الحياة السياسية و يختزل كل الشعارات السياسية في البلاد.
من له حظوظ؟ ومن له نفوذ؟ ومن يستطيع ضمان الفوز بمقعد بمجلس النواب ؟
في هذه الفترة بالذات، لا تبدو التزكيات كآلية تنظيمية أو نظرة استشرافية للرؤية السياسية داخل الأحزاب، و إنما أصبحت تظهر للمواطن و حتى عبر الإعلام، على أنها تحولت إلى الانتخابات الحقيقية نفسها. أما يوم الاقتراع، فيظهر أنه يأتي في كثير من الأحيان لتأكيد اختيارات حُسم جزء كبير منها مسبقا داخل توازنات المال و السلطة و الأعيان والنفوذ والقدرة على التحكم في الخرائط الانتخابية.
التزكية في حد ذاتها لا تمثل إشكالية، لأنها ممارسة طبيعية في كل الأنظمة الديمقراطية. الإشكالية هي حين تتحول إلى رسالة سياسية خطيرة تقول للمجتمع أن القيم الحقيقية ليست للفكر ولا للنضال ولا للكفاءة في خدمة عموم المواطنين، بل للقدرة على الفوز بشتى الوسائل، إلا الديمقراطية منها، مهما كان الثمن السياسي أو الأخلاقي. هنا يبدأ المواطن في فقدان الثقة، ليس فقط في الأحزاب و في مرشحيها، بل حتى في فكرة السياسة أو الانتخابات نفسها.
بهذا، كيف سيمكن إقناع شاب بالانخراط في خدمة الوطن لسنوات داخل حزب أو نقابة، إذا كان يعلم أن لحظة الحسم لا تقررها الأفكار ولا العمل الميداني و السياسي ولا أجهزة الحزب، بل شبكات المصالح والأعيان والحسابات الانتخابية الجافة ؟؟..
وكيف يمكن الحديث عن تجديد النخب إذا كانت التزكيات تتحول في كثير من الأحيان إلى آلية لإعادة تدوير الوجوه نفسها، أو استبدالها بأصحاب المال والقدرة على تدبير الأصوات و المتحكمين في الحزب بطريقة أو بأخرى.؟؟..
كل محاولات إعادة الثقة عبر الريع السياسي عبر باستعمال خطاب لوائح “كوطا quota ” الشباب و المرأة ، لن يزيد إلا الطين بلة ولن يزيد إلا فقدانا في شرعية وًمشروعية و مصداقية الانتخابات و العمل الحزبي برمته.
هذا المنطق الخطير، لا يقتل الأحزاب وحدها، بل يقتل المعنى العميق للتمثيل السياسي. لأن المنتخب الذي يصل فقط بمنطق إمكانية الفوز بالمقعد، يدخل السياسة بعقلية الاستثمار، لا بعقلية المشروع المجتمعي، فيصبح المقعد غاية في حد ذاته وليس وسيلة للدفاع عن رؤية أو عن مصالح المجتمع.
في الدول التي تمتلك حياة سياسية حقيقية، تكون التزكية تتويجا لمسار فكري ونضالي وميداني. أما حين تصبح مجرد عملية حسابية للبحث عن المرشح القابل للفوز، فإن الانتخابات تتحول تدريجيا من تنافس بين المشاريع المجتمعية أو التنموية إلى تنافس بين الشبكات و المصالح الشخصية و الأوليگارشيات و حتى العصابات.
وحين يصبح الحزب في حاجة إلى هؤلاء الملقبين أحيانا بالأعيان أكثر من حاجة المجتمع إلى الحزب, أو الحزب إلى المجتمع، فذلك ليس انتصارا انتخابيا كما يتم تقديمه أحيانا و إنما إعلان ضمني عن فشل السياسة في إنتاج نخبها الخاصة التي تدافع عن المجتمع. و من هنا تنقلب المعادلة حيث بدل أن يحتوي الحزب النفوذ، يصبح النفوذ هو الذي يحتوي الحزب لنرى يوميا أخبارا و صورا لأشخاص يهيمنون على القرارات الحزبية في الجهات و المدن و من تم حتى على المرافق العامة، من دون الرجوع إلى الهياكل أو الشفافية الحزبية.
لهذا، فالسؤال الحقيقي في المغرب اليوم ليس فقط، من سيحصل على التزكية و إنما ماذا بقي من السياسة داخل الأحزاب؟
فهل نحن ما زلنا أمام مؤسسات تؤطر المجتمع وتنتج الأفكار لصالحه، أم أمام آلات انتخابية موسمية تنشط كلما اقترب موعد الاقتراع ثم تعود إلى الصمت لترك الفراغ السياسي لصالح الشبكات و الشركات و المصالح الشخصية و السلط أو القوى الغير منتخبة.
أخطر ما في الأمر أن الأحزاب تبرر كل ذلك باسم الواقعية الانتخابية”real politics” ، و هناك من يسمونها، خطأ، بالبراگماتية ، وكأن الفوز بالمقعد هو المشروع السياسي.
كل الأحزاب تعرف يقينا أنها عندما تضحي بمعايير الديمقراطية و النزاهة لأجل الوصول فنادرا ما تستعيدها بعد الوصول، لأن السياسة التي تبنى فقط على الحسابات، تنتهي غالبا بلا روح و لا ثقة و لا معنى.
بهذه القراءة سنجد أن الأزمة الحقيقية لم تعد في من يفوز بالمقاعد، بل في أن المجتمع نفسه بدأ يشعر بأن السياسة تحولت من أداة لصناعة الأمل إلى آلة لإنتاج النفور و الاشمئزاز و الاحتقان، وأن الانتخابات لم تعد مسارا للتغيير، بل كعملية تتكرر موسميا، لإعادة تدوير النفوذ بالوجوه نفسها والخطابات نفسها في كل موسم انتخابي جديد.
فربما لم تعد الأحزاب اليوم، في حاجة إلى مزيد من المرشحين القادرين على الفوز بقدر حاجتها إلى سياسيين قادرين على إعادة المعنى للسياسة نفسها. لأن المقعد يمكن دائما الفوز به، لكن الثقة حين تضيع، يصبح استعادتها أصعب من أي انتصار انتخابي.
التحديات العالمية اليوم أظهرت في عدة نقط جغرافية و سياسية حول المعمور، أن الدول لا تُقاس فقط بعدد الانتخابات التي تنظمها، بل بقدرتها على إنتاج حياة سياسية حقيقية تنتج التفافا حول مؤسساتها السياسية، أما حين تتحول التزكيات إلى سباق حول النفوذ والحظوظ الانتخابية فقط، فإن الخطر لا يكون على الأحزاب وحدها، بل على العلاقة نفسها بين المجتمع و من يدعي أنه يمثله سياسيا.





تعليقات
0