المسكيني
تُعدّ قضية الصحراء المغربية من أقدم النزاعات الإقليمية المفتعلة في القارة الإفريقية، حيث يعود أصلها إلى مرحلة ما بعد الاستعمار الإسباني، لكن تعقيداتها السياسية ارتبطت أساسًا بالدور السلبي الذي لعبته بعض الأطراف الإقليمية، وعلى رأسها النظام الجزائري، في إطالة أمد هذا النزاع، عبر تقديم الدعم السياسي والمالي والعسكري لجبهة “البوليساريو”، الكيان الانفصالي الذي لا يتمتع بأي شرعية قانونية أو اعتراف شعبي.
فكما يعرف كل المغاربة، وكما تُقرّ بذلك الوثائق التاريخية والمعاهدات الدولية، فإن الصحراء كانت دومًا جزءًا لا يتجزأ من التراب المغربي، حيث ظلت القبائل الصحراوية عبر التاريخ تُجدد ولاءها لسلاطين المغرب، وتُشارك في الحياة السياسية والدينية للدولة المغربية، وهو ما تؤكده وثائق الأرشيف العثماني والفرنسي، وكذا أحكام محكمة العدل الدولية سنة 1975، التي لم تنفِ الروابط القانونية والبيعة بين القبائل الصحراوية والعرش العلوي.
تطورات إيجابية في ظل القيادة الملكية
شهد ملف الصحراء المغربية تطورات نوعية في السنوات الأخيرة، خصوصًا في ظل القيادة الحكيمة والمتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس، الذي اعتمد استراتيجية دبلوماسية ناجعة تجمع بين الحزم في الدفاع عن السيادة الوطنية، والانفتاح على الحلول السياسية الواقعية.
وقد شكّل مقترح الحكم الذاتي، الذي قدّمه المغرب سنة 2007 أمام منظمة الأمم المتحدة، نقطة تحوّل استراتيجية في هذا الملف، حيث لقي ترحيبًا وإشادة واسعة من طرف المنتظم الدولي، باعتباره حلًّا واقعيًا وعقلانيًا يضمن للأقاليم الجنوبية تدبير شؤونها تحت السيادة المغربية، في إطار الجهوية المتقدمة والنموذج الديمقراطي التنموي الذي تنهجه المملكة.
وقد عبّرت العديد من الدول عن دعمها الصريح لهذا المقترح، كما قامت دول مؤثرة من مختلف القارات بفتح قنصليات لها في مدينتي العيون والداخلة، في اعتراف عملي بمغربية الصحراء، نذكر منها: الإمارات العربية المتحدة، السنغال، كوت ديفوار، البحرين، الأردن، وعدد من دول أمريكا اللاتينية.
أفق الحل في ظل التحولات الجيوسياسية
اليوم، وبعد عقود من الجمود والمناورات، يقترب هذا الملف من نهايته الحتمية، إذ تتجه كفة الشرعية الدولية إلى ترجيح المقاربة المغربية، خاصة في ظل فشل الأطروحة الانفصالية في تقديم أي بديل سياسي أو تنموي حقيقي، وفي ظل التدهور الأمني والاقتصادي المتواصل في مخيمات تندوف، حيث يعيش آلاف المغاربة الصحراويين في ظروف مأساوية تحت سيطرة البوليساريو، وبتمويل مباشر من الجزائر.
إن استمرار هذا النزاع المفتعل لا يهدد فقط وحدة المغرب الترابية، بل يُسهم أيضًا في زعزعة الاستقرار بمنطقة الساحل والصحراء، التي أصبحت بيئة خصبة لانتشار الجماعات الإرهابية والعصابات الإجرامية. لذلك، فإن إنهاء هذا النزاع من خلال تبنّي مقترح الحكم الذاتي من شأنه أن يفتح الباب أمام تكامل اقتصادي وأمني إقليمي، ويُحقق طموحات شعوب المنطقة في التنمية والازدهار.
قضية الصحراء ليست مجرد ملف دبلوماسي أو نزاع حدودي، بل هي قضية وجود وهوية ووحدة وطنية. وقد أثبت المغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، أنه قادر على كسب المعركة عبر منطق الحكمة والواقعية والشرعية، بعيدًا عن منطق الابتزاز والمساومة.
وإذ يواصل المغرب تعزيز حضوره القاري والدولي، فإن أمل الحسم النهائي لهذا الملف بات أقرب من أي وقت مضى، لأن جميع الشروط متوفرة: الدعم الدولي المتنامي، النموذج التنموي الناجح في الأقاليم الجنوبية، والمقترح المغربي الواقعي والمقبول.
إن مغربية الصحراء ليست فقط حقيقة تاريخية، بل واقع سياسي ودبلوماسي تتكرّس معالمه يومًا بعد يوم على أرض الواقع، وعلى المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤوليته في إنهاء هذا النزاع المفتعل، بما يُحقق الأمن والاستقرار في شمال إفريقيا ومنطقة الساحل برمّتها.





تعليقات
0