جامعة محمد الأول بوجدة تراهن على الثقافة والإبداع لتعزيز إشعاعها الجامعي.

لينا بريس الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 09:04

لينابريس… محمد امين مداح


في المشهد الثقافي، لا تُقاس قيمة المؤسسات الجامعية بما تنتجه من أبحاث ودراسات فحسب، إنما تُقاس أيضاً بقدرتها على جعل الثقافة جزءاً من الحياة العامة، وفتح المجال أمام الطاقات الشابة للتعبير عن أفكارها ومواهبها، وتحويل المعرفة إلى فعل ثقافي يسهم في تنمية المجتمع. ومن هذا المنطلق، تكتسي المبادرة الثقافية التي تنظمها رئاسة جامعة محمد الأول بوجدة، على هامش الدورة السادسة للمعرض المغاربي للكتاب، أهمية خاصة، لما تحمله من أبعاد تربوية وثقافية وإنسانية.
ففي الفترة الممتدة من 27 أكتوبر إلى فاتح نونبر 2026، تلتقي المعرفة بالإبداع من خلال برنامج ثقافي متنوع، يتزامن مع الاحتفاء بالذكرى الأولى لعيد الوحدة، في مبادرة تسعى إلى الجمع بين استحضار الذاكرة الوطنية وتشجيع الفعل الثقافي والعلمي داخل الجامعة وخارجها.
وقد أعلن رئيس جامعة محمد الأول بوجدة، اليوم 19 أكتوبر 2026، عن هذه المبادرة الثقافية التي تتضمن برنامجاً غنياً ومتنوعاً، يشمل توقيعات الكتب، والقراءات الأدبية، والورشات التي ينظمها الطلبة الباحثون، والتكريمات والقراءات الشعرية، فضلاً عن معرض منشورات الجامعة، إلى جانب تنظيم مسابقات ثقافية موجهة إلى الطلبة.
وتُنظم هذه المبادرة تحت إشراف الدكتور مصطفى بلعربي سلوي، أستاذ التعليم العالي بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بوجدة، والمسؤول عن مكتب الأنشطة الثقافية بالكلية، الذي يُسجل حضوراً متواصلاً في مختلف الأنشطة الثقافية الطلابية، ويسهم في مواكبتها وإنجاحها، من خلال دعمه للمبادرات الإبداعية وحرصه على تشجيع الطاقات الشابة على الانخراط في الحياة الثقافية الجامعية.
وتبرز أهمية هذا الدور في كون العمل الثقافي داخل الجامعة لا يقتصر على برمجة الأنشطة وتنظيمها، بل يحتاج إلى مواكبة مستمرة، وتواصل مع الطلبة، وإنصات إلى تطلعاتهم، وإتاحة الفرص أمامهم للتعبير عن قدراتهم. فالحضور الدائم إلى جانب المبادرات الثقافية الطلابية يعزز استمراريتها، ويساعد على ترسيخ ثقافة المشاركة والإبداع داخل الفضاء الجامعي. كما أن الاستثمار في المواهب الشابة يظل من المداخل الأساسية لبناء مشهد ثقافي جامعي متجدد، قادر على احتضان الأفكار الجديدة وتشجيع التجارب الواعدة.
وتكمن أهمية هذا البرنامج في كونه يتجاوز تنظيم أنشطة ظرفية موازية للمعرض، ليعكس توجهاً نحو تعزيز حضور الجامعة في محيطها الثقافي، وجعلها فضاءً للتفاعل بين البحث العلمي والإبداع، وبين الإنتاج المعرفي والتواصل مع الجمهور. فرواق الجامعة بالمعرض المغاربي للكتاب لا يمثل مجرد فضاء لعرض المنشورات، بل يشكل فرصة للتعريف بالإنتاج الفكري والأكاديمي، وفتح آفاق الحوار بين الباحثين والكتاب والطلبة والمهتمين بالشأن الثقافي.
ومن بين الجوانب اللافتة في هذه المبادرة، تنظيم مسابقات في الشعر والقصة القصيرة والنصوص المسرحية والفنون التشكيلية وصناعة المحتوى، وهي مسابقات موجهة إلى الطلبة المسجلين بإحدى مؤسسات جامعة محمد الأول. وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة، لأنها تنظر إلى الطالب باعتباره فاعلاً في الحياة الثقافية، لا مجرد متلقٍّ للمعرفة، وتمنحه فرصة لإبراز قدراته وصقل مواهبه والمساهمة في إنتاج ثقافي يعكس أسئلته وتطلعاته ورؤيته للعالم.
ويحظى المسرح، من خلال مسابقة النصوص المسرحية، بمكانة مهمة ضمن هذا التنوع الإبداعي، باعتباره فناً يجمع بين الأدب والفكر والتشخيص، ويتيح للشباب إمكانية تحويل انشغالاتهم إلى نصوص تستكشف قضايا الإنسان والمجتمع. فكتابة النص المسرحي ليست مجرد صياغة للحوار، بل هي بناء للشخصيات والصراعات والمواقف، وممارسة فكرية وجمالية تسمح بمساءلة الواقع والتعبير عن تناقضاته. ومن شأن هذه المسابقة أن تشجع الطلبة على خوض تجربة الكتابة الدرامية، واكتشاف مواهب جديدة يمكن أن تثري الحركة المسرحية والثقافية المغربية.
أما مسابقة الشعر والقصة القصيرة، فتفتح المجال أمام الطاقات الأدبية الشابة للتعبير عن تجاربها الإنسانية والاجتماعية، فيما تمنح مسابقة الفنون التشكيلية مساحة للتعبير البصري والجمالي، وتتيح مسابقة صناعة المحتوى فرصة لمواكبة التحولات الرقمية التي أصبحت جزءاً أساسياً من المشهد الثقافي المعاصر. وبهذا التنوع، تلتقي أشكال مختلفة من التعبير في فضاء جامعي واحد، بما يعكس اتساع مفهوم الثقافة وقدرتها على استيعاب لغات إبداعية متعددة.
إن تشجيع الإبداع الطلابي ليس نشاطاً منفصلاً عن الوظيفة الأكاديمية للجامعة، بل هو امتداد طبيعي لها. فالشعر ينمي الحس الجمالي، والقصة توسع أفق التخيل والتفكير، والمسرح يعزز القدرة على فهم الإنسان ومساءلة الواقع، والفنون التشكيلية تطور الرؤية البصرية، فيما تسهم صناعة المحتوى في تنمية مهارات التواصل والتعبير في البيئة الرقمية. ومن خلال هذه المجالات، تتسع رسالة الجامعة لتشمل التكوين الثقافي والإنساني إلى جانب التحصيل العلمي.
وفي سياق الاحتفاء بالذكرى الأولى لعيد الوحدة، تكتسب هذه الأنشطة بعداً رمزياً إضافياً، إذ تتيح للثقافة أن تسهم في استحضار الذاكرة الوطنية من خلال المعرفة والإبداع والحوار. فالذاكرة لا تستمد قوتها من استعادة الأحداث وحدها، بل أيضاً من قدرتها على الانتقال إلى الأجيال الجديدة، وتحفيزها على فهم دلالاتها والتفاعل معها عبر أشكال التعبير المختلفة.
كما أن حضور جامعة محمد الأول في المعرض المغاربي للكتاب يتيح فرصة لتعزيز الصلة بين الجامعة والمجتمع، والتعريف بمنجزاتها العلمية والفكرية، وإبراز أهمية الكتاب في بناء الوعي وتطوير التفكير النقدي. فالكتاب ليس مجرد وعاء للمعرفة، بل فضاء للأسئلة والحوار، ووسيلة لاكتشاف تجارب إنسانية وثقافية متنوعة، وهو ما يجعل المعارض الثقافية مناسبة لتجديد الصلة بين القارئ والمعرفة.
ومع ذلك، فإن القيمة الحقيقية لهذه المبادرات لا تقف عند حدود الإعلان عن المسابقات أو تنظيم الأنشطة وتوزيع الجوائز، بل تتجلى أيضاً في القدرة على مواكبة المواهب بعد انتهاء الفعاليات، وتشجيع الأعمال المتميزة، وفتح آفاق جديدة أمام أصحابها، سواء في الكتابة أو المسرح أو الفنون التشكيلية أو صناعة المحتوى. فالمسابقة الناجحة هي التي تشكل بداية لمسار من التكوين والتشجيع والإنتاج، لا مجرد محطة عابرة في الحياة الجامعية.
إن هذه المبادرة الثقافية التي أعلنت عنها رئاسة جامعة محمد الأول بوجدة تؤكد أن الجامعة فضاء للعلم والإبداع معاً، وأن البحث العلمي والثقافة ليسا مجالين منفصلين، بل رافدان متكاملان لبناء الإنسان وتنمية المجتمع. كما تبرز أهمية العمل الثقافي المنظم والمواكبة المستمرة للمبادرات الطلابية في تحويل الطاقات الفردية إلى فعل ثقافي جماعي قادر على الإسهام في إثراء الحياة الجامعية.
ومن 27 أكتوبر إلى فاتح نونبر 2026، سيكون رواق جامعة محمد الأول بالمعرض المغاربي للكتاب موعداً مع المعرفة والإبداع، وفرصة للاطلاع على منشورات الجامعة ودعم الباحثين والبحث العلمي، واكتشاف مواهب طلابية قادرة على الإسهام في إثراء المشهد الثقافي المغربي.
إنها دعوة إلى جعل الثقافة جسراً بين الجامعة ومحيطها، وبين الذاكرة والحاضر، وبين المعرفة التي نتلقاها والإبداع الذي نصنعه؛ وتأكيد على أن الجامعة لا تكتمل رسالتها بالعلم وحده، بل تنفتح آفاقها أكثر حين تمنح الثقافة والإبداع مكانتهما في بناء الإنسان والمجتمع.

تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 18:19

إقليم الحسيمة.. حملة تحسيسية بتافساست لتعزيز التلقيح وحماية صحة الأطفال والنساء

الثلاثاء 20 أكتوبر 2026 - 17:25

رئيس مجلس جهة الدار البيضاء-سطات في زيارة ميدانية لتتبع أشغال المنطقة الصناعية الرشاد بإقليم مديونة

الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 22:57

جامعة الشباب : فضاء لتأهيل الطاقات الشابة وصناعة مستقبل واعد.

الإثنين 19 أكتوبر 2026 - 19:47

بني بوعياش.. الأمطار تتسبب في علق سيارة بحي أكادير وتدخل جرافة لإخراجها