نورالدين قربال
أهم مستجد يمكن الاعتزاز به هو انتهاء مهام بعثة الأمم المتحدة بشكل رسمي، أي المينورسو، بعد 35 من الوجود غير المجدي، لأنها فشلت في المهام التي شكلت من أجلها. لذلك استفاد المغرب من الفيتو الروسي، الذي حوله من تهديد إلى فرصة الانعتاق من قلق مصطنع عمر أكثر من خمسين سنة. لقد انتهت ولايتها بعدما لم يصوت مجلس الأمن على تجديدها وانتهائها في منتصف ليل 31 أكتوبر الماضي.
إن المجتمع الدولي تأكد من حقيقة الموضوع، مدركا أن أطروحات النظام الجزائري واهية ولا تستند إلى منطق قانوني، أما الجبهة فتعمل بالوكالة، وتيقن بالطرح المغربي الواقعي والجدي وذي مصداقية، وأرادوا أن ينهوا هذه القضية التي عمرت ردحا من الزمن. أما إخواننا المحتجزين فسيفك أسرهم بحول الله ويعودون إلى بلادهم من أجل المساهمة في تنمية بلادهم بناء على تنزيل مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية بناء على مضمون القرار الأممي 2797.
إنهم ليسوا لاجئين لأن النظام الجزائري لم يسمح للمفوضية السامية الأممية لشؤون اللاجئين بإحصائهم خوفا من الفضيحة لأن مجموعة منهم ليسوا مغاربة. كما يتحمل وضعيتهم المزرية خاصة الأطفال والنساء، إنهم يعيشون في سجن كبير محاصر من قبل النظام الجزائري حتى يحتفظوا بهم كورقة سياسية يلوكها كلما سنحت لهم الظروف ذلك. إذن اين حرية التنقل والتعبير والتحرر من نظام سخر كل الخيرات التي أنعم الله بها عليه من معاداة المغرب كما سبقهم أسيادهم.
لقد طرح المغرب ثلاثة حلول لساكنة المخيمات: العودة إلى الوطن أو البقاء هناك أو السفر إلى بلد آخر. هذا هو الاستفتاء الحقيقي الذي يحرر النظام المهيمن من هذا الصراع المفتعل ويتفرغ إلى شعبه الذي ضحى بالغالي والنفيس من أجل الوطن.
إن قضية الصحراء المغربية، تمت مقاربتها مقاربة جيوستراتيجية، حيث يوظف من قبل الدول الكبرى الرفض ليسقط قراران تاركان أزمة وجود قانوني للمينورسو، مما جعل المغرب بدل أن يلعن الظلام أشعل نورا، فحول التهديد إلى فرصة حقق بها غاية كبرى هو الإعلان عن طي هذا الملف، وخروج المينورسو من الأقاليم الجنوبية، واحتفال المغرب بعيد الوحدة من طنجة إلى الكويرة. هذا هو المهم أما الرهانات فستتم مستقبلا مع كل المتعاونين لأن المغرب جاهز لتنزيل مبادرة الحكم الذاتي بناء على جهوية متقدمة.
لقد نهج المغرب دبلوماسية الوضوح والطموح، والوسطية والاعتدال، وكان يتعامل مع كل مستجد بالطريق المنسجمة مع أفقه. تجلى هذا في الانتقال من ردود أفعال إلى مرحلة إنجاز الأفعال، من تم سد الفراغ الذي كان سائدا خلال فترة المقاربة الأممية، فأنجز مبادرة الحكم الذاتي سنة 2007، وقلب الموازين كلها، وبدأ يفرض أجندته على الآخر. من تم وصفت هذا المبادرة بالمصداقية والجدية والواقعية، ومنذ ذلك الحين والتقارير الأممية حول الموضوع غيرت الرؤية. بناء على أسس عقدية وسياسية وجيوستراتيجية، وثقافية وحقوقية وتاريخية، وإنسانية. إذن هو تغيير في شروط ومسار التسوية بتعبير السيد ناصر بوريطة وزير الشؤون الخارجية والتعاون الإفريقي والمغاربة المقيمين بالخارج.
لقد تم رفض الاقتراح الأمريكي ظانين أن الأمور ستتعقد، لكن كانت النتيجة هو الحل النهائي للقضية بقدرة قادر، فأصيب النظام الجزائري بخيبة أمل، واعتبر خروج المغاربة في المناطق الجنوبية وجميع ربوع المملكة بالاحتفالات بعيد الوحدة وبين للعالم بأن الجبهة صغيرة جدا وأن الساكنة الوحدوية تشكل النصيب الأوفر. إذن من الظلم أن نعتبر الجبهة الممثل الوحيد للصحراويين، أما إذا استحضرنا الثائرين في وجه الجبهة داخل المخيمات فتلك حكاية أخرى.
لقد أعلن جلالته عن إقلاع تنموي خصص له 77 مليار درهم سنة 2014 لبرنامج تنموي بالمناطق الجنوبية ينضاف إلى ما سبق، والمغرب ماض في البناء لأنه واثق الخطوات يمشي لإن الصحراء في مغربها والمغرب في صحرائه، وما ضاع حق وراءه طالب. إذن لمس العالم أن المغرب في صحرائه انطلاقا من عقد البيعة والوحدة الترابية والوطنية والملكية الدستورية قد حقق تنمية تتسم بالشمولية سياسيا واقتصاديا وثقافيا وبيئيا وحقوقيا وغيرها من القطاعات.
لقد سقط القناع كما قال السفير الممثل الدائم للمغرب بالأمم المتحدة السيد عمر هلال، وفات الأوان على أي اختيار لا ينسجم مع ما ورد في بلاغ القصر الملكي الأخير. مستحضرا البعد الإنساني للمملكة ملكا وشعبا عندما قرر المغرب التعاون مع الأمم المتحدة ومسؤولي وموظفي البعثة حتى يغادروا في أحسن الظروف لأنه لا تجديد أممي لولايتها. بناء على هذا ستتوقف الاجتماعات الدورية لمجلس الأمن الدولي المخصصة لتجديد ولاية البعثة ومناقشة التقارير المتعلقة بتنفيذ مهامها.
أمام هذا التطور أعلنت اسبانيا على أن كل من أمريكا وروسيا تسببا في هذا الوضع الذي استثمره المغرب لصالح قضيته العادلة نحو تسوية نهائية لهذا النزاع المفتعل، معتبرة عدم تجديد الولاية خطوة مهمة. لأن المغرب لم يفاجئه الفيتو الروسي وغير قواعد اللعبة، أي قواعد الاشتغال بتوجيهات ملكية سامية. تم هذا بعد جلسة مجلس الأمن الأخيرة، واستحضار الفيتو الروسي، والمسؤولية الجزائرية، والدينامية الدولية، وتحيين مبادرة الحكم الذاتي، وتباين مواقف الأطراف، ولخص الذي وصفه السيد الوزير ناصر بوريطة بأنه لم يكن مرتجلا، بل خضع لسيناريوهات معدة سابقا من قبل العبقرية المغربية التي وافقت النتائج المرجوة انطلاقا من تغيير طريقة التعامل، وإحداث نقلة مركزية في المقاربة الجديدة.
بهذا المنهج سيسحب المغرب ملف الصحراء من اللجنة الرابعة التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، مدعما بثلثي أعضاء الأمم المتحدة الذين يقرون بمشروعية مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ناهيك عن الكسب الدولي. وهذا عمل يتطلب الجدية والواقعية والشعور بالمسؤولية والمغرب قادر أن يتجاوز هذه المراحل لأنه واجه أكثر من هذا خلال 50 سنة خاصة إذا أخذنا بطبيعة المعارك الجيوستراتيجية التي تتطلب غالبا تسويات سياسية. خاصة وأن الدبلوماسية المغربية كما رسم صفاتها جلالة الملك الطموح والوضوح الوسطية والاعتدال.
يمكن استنباط ما ذكر في الكلمات التالية: إن المغرب ظل متشبثا بالشرعية الدولية ومتعاونا مع كل الأطراف، حتى وقعت نازلة عدم تصويت مجلس الأمن على تمديد للبعثة، مما دفع بالدبلوماسية المغربية التي يقودها جلالة الملك التعامل مع التهديد بفرصة تاريخية تداخلت فيها السنن الكونية والاجتماعية لأنها إعلان بطي ملف الصحراء وإخراجه من الأمم المتحدة. لذلك اعتبر عيد الوحدة شاملا لدلالات التحرر من تبعات عمرت سنينا طويلة، وأعلن عيد الوحدة حسب نص بلاغ للقصر الملكي “الانتقال من مجرد منطق التدبير إلى مقاربة مبنية على التحول العميق للمحددات”، وسيتعامل المغرب كعادته بالمرونة والدبلوماسية حتى تتم عملية مغادرة البعثة بسلام بالتنسيق مع الأطراف المعنية. إن انسحاب البعثة خروج قانوني من عملية التدويل إلى إرجاع الحقوق إلى أصحابها. إن المملكة ردت شرعية قضيتها في إطار احترام الشرعية الدولية. لذلك عبر المغاربة قاطبة داخليا وخارجيا بأنهم مجندون لإتمام الأوراش المستقبلية والتغلب على الرهانات القادمة بجدية ومصداقية وواقعية تحت القيادة السامية لجلالة الملك حفظه الله.





تعليقات
0