السياسة من منظور مقاصدي    

نورالدين قربال الأحد 9 أغسطس 2026 - 00:33

نورالدين قربال

      السياسة تصور وسلوك تدبيري للشأن العام انطلاقا من جلب المصالح، ودرء المفاسد، والتقليص منها. تنطلق من الغايات الكبرى التي ارتضاها الله لعباده نحو الحرية، والكرامة، والعدل، والتدرج، والمرونة، والخير، والحق، وغيرها. أطلق علماؤنا مصطلحا مشهورا هو السياسة الشرعية، التي تستهدف الحاكم والمحكوم، العباد والبلاد.

    إن كلمة الشرعية معيار للخيرية، والحكامة الجيدة، والإتقان، والإحسان، وربط المسؤولية بالمحاسبة، وإصدار التشريعات الملائمة التي ترشد القرارات والمشاريع والسياسات العمومية لضمان الاستمرارية والاستدامة وتأسيسا للتراكمية.

     إن جوهر السياسة الشرعية، هو احترام المقاصد والغايات الكبرى من عدل وشورى وديمقراطية وإشراك المواطنات والمواطنين في صناعة القرار والمساهمة في تنزيله، وتتبعه، وتقويمه، مع الأخذ بعين الاعتبار فقه المآلات والموازنات، إي الدراسات الجيوسياسية واستراتيجية، باعتبارها منظومة عالمية تسعى إلى تحقيق الرحمة للعالمين بمفهومه العمودي والأفقي، وما يترتب عنها من مواطنة صادقة تلازم بين الحق والواجب.

     انطلاقا من هذه الرؤية المقاصدية للسياسة وضع العلماء مقاصد ضرورية وأخرى حاجية وثالثة تحسينية. فالأولى تستهدف الحفاظ على العقل والدين والنفس والمال والعرض، والثانية مساعدة ومكملة للأولى مستهدفة رفع المشقة، والثالثة تحسينية التي تسعى إلى تقديم المشاريع بروح الجمال والجلال والكمال، والإتقان، والحكامة الجيدة، والمرونة.

      لا يمكن تحقيق ما أشرنا إليه إلا بروح التجديد المقاصدي، والانفتاح الكوني، والأمن والاستقرار. يقول ابن عاشور (إذا كانت الديمقراطية جيدة من حيث إنها نظم وآليات، فإن الإسلام يستطيع أن يثريها بقيم تعطيها السمو الأخلاقي، والعمق الإنساني في الذي يحميها من سلبيات الرأسمالية المتوحشة والتلاعب بالضمائر والذمم). أما ابن القيم فيقول (إذا ظهرت أمارات الحق وقامت أدلة العدل وأسفر وجهه بأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين ليست مخالفة له).

    إن هؤلاء كان لهم وعي بالسياسة ودورها في الفعل الإنساني والكوني،  لذلك عرف ابن عقيل السياسة بقوله: (ما كان من الأفعال بحيث يكون الناس معه أقرب إلى الصلاح أبعد عن الفساد، ولو لم يشرعه الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا نزل به وحي.) أما ابن منظور فيقول (السياسة هي القيام على الشيء بما يصلحه). إذن فهي مقاربة مدنية خالية من القطع.

     من تم يجب أن يصاحب هذا التصور الإتقان والإحسان وهذا ما يصطلح عليه بالحكامة السياسية، يقول الدكتور أحمد الريسوني (الإحسان فضيلة ونافلة والواجب هو العدل… وهو واجب أو مندوب حسب القرائن والأدلة الشرعية، ويعني الإتقان والتجويد وهو السبق والمعالي.. ومعاملة الناس بالأحسن والحسن وضده التطفيف والغش والقهر).

   إن التنزيل المقاصدي للمقتضيات السياسية يحتم استحضار فقه المآلات والموازنات، باعتبار أن الإصلاح السياسي لا يتم إلا بالطرق المرنة والسلمية وفي مناخ تطبعه المرونة والتدرج، رغم ذلك فالخطأ وارد لأنه جبلي في الحياة العامة فكيف في الممارسة السياسية. لكن هناك مقتضيات للتصحيح ورد الأمور إلى نصابها.

      نستنبط مما سبق أن العمل السياسي يقتضي التوازن بين السياسة الشرعية وشرعية السياسة من منظر مقاصدي باعتبار أن السلطة توزيع عادل للقيم الديمقراطية بين الجميع.

تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 11 أكتوبر 2026 - 01:14

حريق يأتي على حلم شابتين من الحسيمة بعد 3 أشهر فقط من افتتاح مشروعهما

السبت 10 أكتوبر 2026 - 22:53

جمعية مدرسي اللغة الأمازيغية بفرع الحسيمة تدق ناقوس الخطر بشأن تدريس الأمازيغية وتطالب بتدخل عاجل لإنصاف المدرسين

السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:55

المجلس الوطني لهيئة الموثقين بالمغرب يعلن عن إطلاق مشروعين هيكليين يندرجان ضمن دينامية تطوير الممارسة المهنية.

السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:43

الحسيمة: شجار بين زبون سويدي ونادل ينتهي بتدخل الأمن وتخريب مقهى