《المقالة الرابعة والأخيرة / الحبيب الشوباني / الثلاثاء 27 أكتوبر 2020》
- تقديم :
في المقالات الثلاث السابقة، قمنا بقراءة مُركَّزة لفهم “خلفيات” السلوك العدواني ل”معارضة مصالح ساكنة الجهة” في دورة أكتوبر 2020 التاريخية، وتوقفنا عند جملة من “المآزق” التي قاد إليها التصويت العَدَمي ل”24 عضواً معارضا” ضد مصالح “1.6 مليون نسمة”، ثم استشرفنا بعض “المآلات” التي بات الرأي العام ينتظرها ويترقبها ممن وقع – مباشرة أو بشكل غير مباشر – في هذه “الورطة” غير المحسوبة العواقب ، مع الإشارة إلى حجم التفاعلات وردود الفعل المجتمعية العميقة التي وَلَّدَها “زلزال” هذه الدورة التاريخية ، واتساع مساحات الاستياء والنقاش العمومي ليشمل كافة شرائح وفئات المجتمع الذي بات أكثر وعيا بخطورة دور المنتخبين في عرقلة أو تسارع وتيرة التنمية، يساعد على ذلك مكتسبات الثورة الرقمية التواصلية التي جعلت الولوج إلى مصادر الخبر وتقاسُمه على أوسع نطاق مهارة مُيَسَّرة ومُشاعَة بين عموم المواطنين والمواطنات.
فبعد أربع سنوات من التصويت بالإجماع ( 2016-2019) انتهت بإجماع دورة مارس 2019، كانت دورة أكتوبر 2020 محطة تَوَّجَت فيها ” المعارضة الكَمِّيَّة/ العدَدِيَّة ” عاما وثلاثة أشهر من الممارسات الفوْضوية التي كان الرأي العام يتابعها مباشرة، في انعدام تام لأي “قوة ترافُعية بنَّاءة ” أو ” مبادرات اقتراحية خلَّاقة” مرتبطة بهموم الساكنة ومصالحها وانشغالاتها. لقد انخرطت المعارضة في “انقلاب غامض الهندسة والغايات” على حالة الإجماع كما سادت وأثمرت، ودشَّنته رسميا في دورة يوليوز2019 ثم كرَّسته بتصويتها الغرائِبي في دورة أكتوبر 2019 ضد ميزانية 2020 دون مداولات ولا مقترحات.. !! بما في ذلك “مُغَرَّبَةُ التصويت ضد المداخيل” التي تشكل نصيبا مفروضا لساكنة الجهة في المال العام للدولة ، كما يقرره قانون المالية بعد التصويت عليه في البرلمان ، وكما يتم توزيعه على مجالس الجهات الإثنى عشر للمساهمة في تنميتها !
بكلمة، لقد كشفت وقائع دورة أكتوبر 2020 والمصير المأساوي/التراجيدي الذي انتهت إليه “المعارضة” وهي تمارس طقوس “انتحارها الجماعي” أمام الملأ، أنها ( المعارضة) لم تكن فِعلاً سياسياً إرادياً نابعا من هموم الساكنة وانشغالاتها التنموية، ولا هي تعبير صادق عن هذه الهموم والانشغالات، كلاَّ ولا هي مواقف سياسية رسمية تعبر عن اختيارات حزبية مؤسساتية مُعلَنة للرأي العام، وصادرة عن الأحزاب التي ينتمي إليها “المعارضون الانتحاريون”؛ بل جاءت كنهايةٌ حتمية ل “صفقة خاسرة” دُبِّرت في غفلة من الساكنة ومن أحزاب المعارضة وأعضائها ومنتخبيها ومناضليها، وتُحرِّكها دوافع انتخابوية وسياسوية مشبوهة ذاتية وأنانية، انتهت بأصحابها إلى حالة من “التلبُّس الجماعي” بارتكاب جريمة متعددة الأبعاد : تنموية وسياسية وأخلاقية غير مسبوقة في عُنفها وعَدَمِيَّتِها تجاه المجتمع وأحزاب المعارضة، وهو ما سنعيد صياغة عناوينه البارزة ( التلبس الجماعي) على شكل عُصارات للنَّظر والتأمل في هذه الحالة الفريدة والغرائبية لسلوك “معارضة سياسية عَدَمِيَّة” كما كشفتها هذه “الصفقة الخاسرة”، والتي لا حديث بين ساكنة الجهة إلا عنها وعن “زعمائها” وعن تفاصيل الخسارات الفادحة التي ألحقوها بأنفسهم وبأحزابهم وبتنمية الجهة. - الحصاد المُرُّ لصفقة المعارضة الخاسرة. من وجهة نظرنا ، فإن الحصاد المُر”للصفقة الخاسرة” للمعارضة، كما تَمَظْهَر من خلال المداولات الماراطونية لدورة أكتوبر وعلى امتداد ثلاثة أيام من التدافع والترافع أمام الرأي العام، يمكن تقسيمه منهجيا إلىى مجموعة من المحاور نبسُطها كما يلي : 1.2. خسارة “صورة المعارضة”:
المعارضة فعل سياسي نبيل، وضرورة ديمقراطية لاشتغال المؤسسات بشكل تكامُلي فعَّال ومُنتِج ، وقد تجلت “خسارة المعارضة ” لصورتها من خلال ما يلي :
▪︎بدل استعمال المعارضة العددية “ل 24 عضواً ” كقوة اقتراح ، استعملته كسلاح مُناوَرة لتعطيل تحقيق “النصاب القانوني” وهدر الزمن بالتغيب عن الاجتماعين الأول والثاني للدورة دون مبرر ، قبل “الحضور الاضطراري” في الاجتماع الثالث، ودون أي تفسير معقول يحترم الساكنة وذكاءها وحقها في الانكباب على مدارسة جدول الأعمال ومتابعة المداولات من أول اجتماع.
▪︎انعدام الوعي بأهمية احترام القانون بتسخير “نقط النظام” في ما وُجدت من أجله ( تنظيم الدورة وأشغال الجلسة). لقد تحولت “نقطة نظام” إلى مداخلات مرتبِكة وشارِدة خارج الزمن المحدد لها ( دقيقتين) لتفريغ شحنات من المواقف السياسوية الجاهزة والمُعَدَّة سلفا، وهو ما عَكَس حالة الشرود والتِّيه السياسي للمعارضة وافتقادها لأي بوصلة فكرية أو سياسية أو تنموية تجعل المواطن في مركز اهتمامها.
▪︎اعتماد خطاب عدواني رديء ومُتشنِّج من طرف بعض ” المعارضين والمعارضات”، مُشَخْصَن ومُغرِق في الذاتية ضد رئيس المجلس من طرف البعض الآخر ، لا علاقة له في كلتا الحالتين بمصالح الساكنة ولا بهمومها وانشغالاتها، ولا صلة له بأخلاق الحوار الديمقراطي وتدبير الاختلاف بطرق متحضرة وراقية، تستحضر صدارة مجلس الجهة في إنتاج ممارسة ديمقراطية تليق بعهد الجهوية المتقدمة، وبالنخب التي تستحق شرف تمثيل الساكنة في هذه المؤسسة الدستورية الرفيعة القدْر.
▪︎تبخيس ذكاء المواطنين باعتماد الكذب في العديد من المواطن ( مثلا/ ادعاء أن توسعة المستشفى الإقليمي لزاكورة “أُنجزت” ولا داعي لمساهمة الجهة !) والتدليس ( مثلا/ ادعاء أن السدود أولى من الطرق في إقليم ميدلت مع العلم أن بناء السدود يدخل في البرنامج الوطني للماء 2020-2027 !) واعتماد المراوغة للتهرب من الدراسة والتصويت ( مثلا/ اقتراح تأجيل نقطة دعم الفرق الرياضية مع تبييت النية بعدم التصويت على الميزانية !)، وتوظيف “كورونا” في تبرير العرقلة عكس ما هو مطلوب ( مثلا/ ادعاء أن زمن كورونا لا يسمح بتنظيم المعارض لتعليل التصويت ضد تشجيع التعاونيات على تسويق منتوجاتها). 2.2. خسارة “العلاقة مع المواطنين”:
علاقة المنتخبين مع المواطنين أمانة جسيمة وميثاق غليظ، وهي مبنية على تعاقُدٍ قِوامُه الدفاع عن مصالحهم وجَلْبُ المنافع لهم ، وقد تجلَّت “خسارة المعارضة” لهذه العلاقة من خلال ما يلي :
▪︎ تَنكَّرت المعارضة للمواطنين في دورة أكتوبر تنكُّرا تاما وأسقطتهم في “صفقتها الخاسرة” من كل حساباتها القصيرة النظر ، وحوَّلتهم إلى ” أصفارٍ على الشِّمال” لا قيمة لهم ولا اعتبار. وقد جاء تصويتها العَدَمي ضد جميع اتفاقيات الشراكة والميزانيات ( بغلاف مالي تجاوز 200 مليار سنتيم) رسالة صارخة تعبر عن هذا الاستهتار بمشاعر المواطنين والمواطنات والاستخفاف بحقوقهم الاقتصادية والاجتماعية وغيرها.
▪︎عَمَّقَ هذا الشعور بالاستهتار بالساكنة وحقوقها واحتقار مشاعرها، مُسارعةُ المعارضة إلى التسابق على تعيين 8 ممثلين لمجلس الجهة في المجالس الإدارية لثلاثة وكالات للأحواض المائية، حيث نشطت المناقشات بين مكونات المعارضة بعد رفع الجلسة للتشاور، ولم يهدأ لهم بال حتى رفعوا أيديهم ب”التصويت الإيجابي اليتيم” على هذه التعيينات دون حرج ولا خجل من المواطنين الذين كانوا يتابعون هذا المشهد الصادم بالآلاف.. !
3.2. خسارة “الإضرار بصورة أحزاب المعارضة”:
الأصل في العلاقة بين الحزب المتشبع بالديمقراطية وبين ممثليه في المجالس المنتخبة علاقة سياسية ومؤسساتية. وهي علاقة مبنية على التشاور والشراكة في صناعة أي قرار من شأنه المساس بمصالح المواطنين، حتى تظل المسؤولية مشتركة في ذلك كله. وقد تجلى “إضرار المعارضة بصورة أحزابها” في هذه “الصفقة الخاسرة” من خلال ما يلي :
▪︎تصرف “الأعيان السبعة” ( زعماء المعارضة) في ” ضيعة الحزب” بتصريف مواقفهم المعارِضة ضد مصالح الساكنة في غياب أي موقف حزبي ومؤسساتي مُؤطِّر لهذا القرار الخطير سياسيا. يدل على ذلك عدم صدور أي بيان حزبي لا قبل الدورة ولا بعدها ، يتحمل مسؤولية هذا التصويت العَدَمي المعارض لمصالح الساكنة . وهو ما يطرح أكثر من سؤال حول وجود هياكل ومؤسسات تنظيمية فعالة تقوم بأدوارها طبقا لقانون الأحزاب وللأنظمة الداخلية لهذه الهيآت السياسية، وتسائل المنتخبين الذين يخلون بمهامهم تجاه الساكنة.
▪︎إن هذا التصويت العَدَمي شكل صدمة وحرجا كبيرا لكثير من المناضلين المحترمين من منتخبين وغيرهم ، من الذين تربطهم علاقات تنظيمية جِدِّية مع هذه الأحزاب الأربعة. وقد تجلى ذلك في ما راج بالعديد من المجموعات التواصلية وما نشر من تدوينات تؤكد وجود مواجهات ساخنة بين مناضلي بعض الأحزاب الذين استنكروا هذا التصويت وحذروا من مخاطر كُلفته السياسية العِقابية، والآتية كَرَدِّ فعلٍ حتمي من المجتمع الساخط على “الأعيان السبعة” من مهندسي هذه “الصفقة الخاسرة”.
4.2. خسارة “رهانات التحدي “:
مواجهة التحديات في العمل السياسي بعزيمةٍ وثقةٍ ووضوحٍ، عنوانٌ للمصداقية ولانسجام القول والعمل في سلوك أي فاعل سياسي يحترم نفسه وحزبه ومجتمعه. وقد خسرت المعارضة رهان التحديات التي قادتها إليها ممارساتها العَدَمية في دورة أكتوبر، من خلال ما يلي :
▪︎تحت شعار “فُكْها يا مَنْ وحَّلْتيها”، رفع بعض زعماء المعارضة تحدي “استقالة الرئيس”كمخرج لتجاوز “أزمة المجلس” مقابل استعدادهم للتعاون من أجل تحقيق الانفراج والتوجه نحو العمل المشترك وصرف الأموال المتراكمة في “سبعة أيام !!”. إن هذا المقترح غير الديمقراطي وغير القانوني والذي لا علاقة له بأي نقاش عقلاني يحترم ذكاء الناس، فَضَحَ سَريرةَ المعارضة التي رفعت هذا التحدي من أجل أمرين لا ثالث لهما: سَيَلانُ لُعابِها على ميزانيات الجهة وحرصها المستعجل على التصرف فيها، أو عرقلة وتجميد هذه الميزانيات في ثلاجة حساب المجلس إلى حين تحقق بعض “وعود الصفقة الخاسرة” وإمساك “زعماء المعارضة” بمقاليد التسيير في 2021 !!
▪︎سقوط المعارضة ب”الضربة القاضية” في امتحان المصداقية بعد رفع رئيس الجهة تحديا آخر يتمثل في التصويت على جدول الأعمال والتعاون على تنفيذ الميزانيات والشراكات لخدمة الساكنة في ما تبقى من زمن الولاية، مقابل توقيع ميثاق جماعي يقضي بعدم ترشح أي عضو من أعضاء المجلس الحالي للاستحقاقات القادمة. لقد أصيبت المعارضة بحالة من الذهول، وخاصة “زعماؤها السبعة أعيان الانتخابات” الذين ابتلعوا ألسنتهم بعد انكشاف حقيقة نواياهم وافتضاح أمر “الصفقة الخاسرة”. عجبا ! لقد اجتمع في عقولهم أمران لا يجتمعان إلا في عقل مخْبولٍ أو مأمورٍ فاقدٍ للإرادة والإدراك : عرقلةُ مصالح ساكنة جهة درعة تافيلالت والاستهتار بحقوقها التنموية على رؤوس الأشهاد من جهة، والإصرار على الترشح والفوز بثقة نفس الساكنة المُستباحَة كرامتُها وحقوقُها من أجل التتويج والإمساك بزمام تدبير مجلس الجهة في 2021 ، من جهة أخرى !!
( انتهى..ولساكنة الجهة وكل عقلائها وشرفائها وأصحاب الإرادات المستقلة واسع النظر.. )





تعليقات
0