ياسين اللغميش يكتب: صناعة النشر في المغرب بين رهانات التنمية وتحديات البقاء

لينا بريس الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 16:21

لينا بريس: سلمى القندوسي

يرى ياسين عرفة اللغميش، الناشر و الفاعل الثقافي، أن النهوض بالثقافة في المغرب لا ينبغي أن يقتصر على تنظيم المعارض و التظاهرات ودعم إصدار الكتب، بل يتطلب وضع سياسة واضحة ومستدامة للنهوض بقطاع النشر، و تمكين دور النشر المغربية من تطوير أنشطتها، و توسيع توزيع الكتب، وخلق فرص الشغل، و تعزيز حضور الكتاب المغربي داخل البلاد و خارجها.

و في هذا السياق، يطرح اللغميش، من خلال قراءته لتوجهات البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031، سؤالًا أساسيًا حول موقع الناشر المغربي في السياسات الثقافية المقبلة، و مدى الاعتراف به باعتباره فاعلًا اقتصاديًا و معرفيًا، و شريكًا في التنمية، و ليس مجرد مستفيد من دعم مخصص لطباعة الكتب أو المشاركة في المعارض.

و يؤكد أن الحديث عن تطوير الصناعات الثقافية و الإبداعية، و هيكلة سلاسل الإنتاج الثقافي، و تعزيز مساهمة الثقافة في خلق القيمة وفرص الشغل، يظل في حاجة إلى إجراءات عملية و ميزانيات واضحة وآليات قابلة للتنفيذ و التقييم.

و يقول اللغميش إن الناشر ليس مجرد وسيط بين المؤلف و المطبعة، بل هو صاحب مقاولة ثقافية يستثمر في الكتاب و يتحمل مخاطر إنتاجه و تسويقه و توزيعه. فهو يعمل على اختيار المخطوطات، و تحرير النصوص، و تصميم الكتب و إخراجها، و تدبير حقوق المؤلفين، و البحث عن أسواق جديدة للوصول إلى القراء.

و يضيف أن دار النشر تمثل حلقة أساسية في سلسلة مهنية و اقتصادية تشمل المؤلفين والمترجمين و المحررين و المصممين و المطابع و الموزعين و المكتبات، و هو ما يجعل دعم هذا القطاع مرتبطًا أيضًا بحماية فرص الشغل وتطوير الاقتصاد الثقافي.

و في حديثه عن برامج الدعم العمومي، يشير اللغميش إلى أن وزارة الشباب والثقافة والتواصل أعلنت، في 13 ماي 2026، نتائج دورة دعم قطاع الكتاب، التي شملت قبول 485 مشروعًا من أصل 862، بغلاف مالي إجمالي بلغ 12.565.800 درهم. ومن بين هذه الاعتمادات، خُصص مبلغ 4.410.000 درهم لدعم 232 مشروعًا في مجال نشر الكتب، مقابل 4.788.800 درهم لدعم 150 مشروعًا للمشاركة في المعارض الدولية للكتاب.

و يرى أن هذه الأرقام تعكس وجود مجهود لدعم القطاع، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة حول النتائج الفعلية لهذه البرامج، و مدى مساهمتها في ضمان استمرارية دور النشر و تطوير قدراتها الإنتاجية و التجارية.

و يؤكد أن دعم طباعة كتاب يظل مهمًا، لكنه لا يكفي وحده لضمان وصوله إلى القارئ أو توفير الاستقرار المالي للناشر، الذي يظل مطالبًا بتحمل مصاريف التسيير و التخزين و النقل والتسويق، إلى جانب تمويل مشاريع أخرى قد لا تستفيد من الدعم.

و من هنا، يدعو اللغميش إلى التمييز بين دعم الكتاب باعتباره إصدارًا ثقافيًا، ودعم صناعة الكتاب باعتبارها نشاطًا اقتصاديًا يحتاج إلى الاستثمار والتخطيط والاستمرارية. و يعتبر أن المطلوب هو تطوير برامج الدعم القائمة ضمن رؤية أشمل تساعد على بناء قطاع نشر قادر على النمو و المنافسة.

و في هذا الإطار، يقترح التفكير في آليات تمويل ملائمة لطبيعة المقاولات الثقافية، و برامج لمواكبة دور النشر الناشئة، وحوافز للاستثمار في الرقمنة و التوزيع، إلى جانب توفير التكوين المتخصص في المهن المرتبطة بصناعة الكتاب.

كما يدعو إلى دراسة إمكانية توفير تمويل ميسر و ضمانات للقروض الاستثمارية، و إرساء برامج تتيح للناشرين التخطيط لمشاريعهم على المدى المتوسط و البعيد، بدل الاعتماد على دورات دعم سنوية لا تضمن وحدها الاستقرار المهني و الاقتصادي.

و يشدد على أن هذه المقترحات لا تعني المطالبة بدعم غير مشروط، بل تهدف إلى بناء سياسة عمومية تعتمد معايير واضحة للجودة و الجدوى و الشفافية، و تساعد المقاولات الجادة على تطوير إنتاجها وتوسيع أنشطتها.
و لا يقتصر مستقبل صناعة الكتاب، بحسب اللغميش، على التمويل وحده، بل يرتبط أيضًا بوجود سوق قادرة على استيعاب الإنتاج المغربي.

لذلك، يعتبر أن توسيع الولوج إلى الثقافة وتأهيل المكتبات العمومية و الجامعية ينبغي أن يواكبهما برنامج واضح لاقتناء الكتب و تجديد أرصدة المكتبات بشكل منتظم.

و يؤكد أن المكتبة لا تحقق أهدافها بمجرد توفير المبنى و التجهيزات، بل تحتاج إلى كتب جديدة و متنوعة، و علاقة مستمرة بدور النشر، وبرامج تشجع الأطفال و الشباب على القراءة.

كما يدعو إلى تعزيز الربط بين المدارس و الجامعات والمكتبات ومعارض الكتاب، و تشجيع نوادي القراءة، و تطوير برامج اقتناء الكتب، مع اعتماد مؤشرات تقيس تطور القراءة الفعلية و مدى وصول الإصدارات إلى الجمهور.

و في نظره، لا يمكن مطالبة الناشر بإنتاج المزيد من الكتب دون توفير منافذ مناسبة لتوزيعها و تسويقها، لأن بناء صناعة نشر قوية يقتضي وجود سوق حقيقية للكتاب، سواء داخل المغرب أو خارجه.

و من جهة أخرى، يرى اللغميش أن تطوير حضور الثقافة المغربية على المستوى الدولي يتطلب إشراك الناشرين في برامج الدبلوماسية الثقافية، و تمكينهم من الأدوات اللازمة لتسويق الكتب المغربية و توسيع انتشارها في الأسواق الخارجية.

و يؤكد أن المشاركة في المعارض الدولية تكتسب أهميتها الحقيقية عندما تتحول إلى فرص للتعاون المهني، وعقود لبيع حقوق النشر، و اتفاقيات للترجمة و النشر المشترك، و شراكات مستدامة مع دور النشر الأجنبية.

و يضيف أن الكتاب المغربي قادر على تعزيز حضور المغرب الثقافي في العالم العربي و إفريقيا و أوروبا و آسيا و أمريكا اللاتينية، لكن تحقيق ذلك يحتاج إلى برامج واضحة للترجمة والتوزيع والتسويق، و إلى مواكبة الناشرين في الجوانب القانونية و التجارية و اللغوية المرتبطة بتدويل الكتب.

و بالنسبة إليه، فإن الناشر لا ينبغي أن يظل مجرد مشارك في التظاهرات الدولية، بل يجب أن يُنظر إليه باعتباره شريكًا في التعريف بالإنتاج الفكري و الأدبي المغربي، و وسيطًا لبناء علاقات ثقافية ومهنية بين المغرب وبقية دول العالم.

و في معرض حديثه عن تدبير القطاع، يطرح اللغميش مسألة مشاركة المهنيين في إعداد السياسات العمومية المتعلقة بالكتاب، داعيًا إلى فتح قنوات منتظمة للتشاور مع الناشرين و الموزعين و المكتبيين، و الاستفادة من خبرتهم في تحديد المشكلات التي تواجه القطاع و اقتراح الحلول المناسبة.

كما يشدد على أهمية نشر حصيلة سنوية مفصلة لبرامج دعم الكتاب، تتضمن الاعتمادات المالية والمشاريع المستفيدة، إلى جانب مؤشرات تتعلق بالإنتاج والتوزيع و التشغيل و التدويل، بما يسمح بتقييم أثر الإنفاق العمومي و تطوير البرامج بناءً على نتائج ملموسة.

و يؤكد اللغميش أن مطالب الناشرين لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها بحثًا عن امتيازات مهنية، و إنما باعتبارها دعوة إلى بناء قطاع نشر منظم وتنافسي، قادر على إنتاج المعرفة و توزيعها، و استقطاب الكفاءات، و خلق فرص الشغل، و المساهمة في التنمية الاقتصادية و الثقافية.

و يختم تصريحه بالتأكيد على أن مستقبل الكتاب المغربي يحتاج إلى رؤية تتجاوز دعم الإصدارات و المشاركة في المعارض، و تضع الناشر في صلب السياسة الثقافية و الاقتصادية، من خلال تطوير التمويل و التوزيع و التسويق، و توسيع اقتناء الكتب، و تعزيز حضورها في الأسواق الدولية.

و يعتبر أن السؤال المطروح اليوم أمام الحكومة و وزارة الشباب و الثقافة والتواصل هو مدى استعداد البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 للانتقال من دعم المشاريع المنفردة إلى بناء صناعة نشر مستدامة، تتوفر لها شروط النمو و الاستثمار و المنافسة.

و يقول اللغميش إن الغيرة الحقيقية على الثقافة لا تعني الاكتفاء بالاحتفاء بالكتاب و مؤلفه، و إنما تقتضي أيضًا إنصاف الناشر الذي يتحمل مسؤولية تحويل الفكرة إلى كتاب، و العمل على إيصاله إلى القارئ. فالنهوض بالثقافة، في نظره، لا يُقاس بعدد الكتب المطبوعة أو المعارض المنظمة فقط، و إنما بمدى القدرة على بناء منظومة متكاملة تضمن استمرارية صناعة الكتاب، و تمنح الناشر المغربي المكانة التي يستحقها في مستقبل المغرب الثقافي و الاقتصادي.

تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 17:56

انتشال جثة شخص تطفو في عرض البحر قبالة سواحل الحسيمة

الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 15:58

قطب المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني يشارك في الاجتماع السنوي للمجلس الأعلى لجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية

الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 14:02

بلاغ حول انطلاق الدورة الرابعة والعشرين “للجائزة الوطنية الكبرى للصحافة”برسم 2026

الإثنين 26 أكتوبر 2026 - 11:08

امرأة حامل وأربعة أطفال بلا مأوى بعد تضرر منزلهم بضواحي الحسيمة