حين تصبح الثقافة رافعة للتنمية المحليةالمهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة دورة 15 نموذجاً

لينا بريس الخميس 15 أكتوبر 2026 - 08:47

محمد أمين مداح

ليست الثقافة ترفاً يمكن تأجيله إلى حين استكمال مسارات التنمية، وليست الفنون مجرد أنشطة ترفيهية تُدرج ضمن برامج المناسبات والاحتفالات. فالثقافة، في جوهرها، استثمار في الإنسان، وفي قدرته على الإبداع والتعبير، وفي علاقته بهويته ومجاله وذاكرته. وحين تتحول المبادرات الفنية إلى مشاريع مستمرة، قادرة على استقطاب الطاقات وخلق فرص التلاقي والتكوين والإنتاج، فإنها تصبح قوة حقيقية من قوى التنمية المحلية.
ومن هذا المنطلق، يبرز المهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة، الذي تنظمه جمعية سيني مغرب برئاسة السيد خالد سلي، بوصفه تجربة ثقافية تستحق التوقف عندها، ليس فقط بالنظر إلى موقعها في المشهد السينمائي، وإنما أيضاً لما تقدمه من إمكانات لفهم العلاقة بين الثقافة والتنمية المحلية، وكيف يمكن للفعل الفني المنظم أن يسهم في خلق دينامية ثقافية واقتصادية واجتماعية داخل المجال الترابي.
إن أهمية هذه التجربة تكمن في كونها تتيح لنا النظر إلى المهرجان السينمائي باعتباره أكثر من موعد لعرض الأفلام واستضافة المبدعين. إنه فضاء للتلاقي وتبادل الخبرات، وفرصة لتعزيز حضور السينما في الحياة الثقافية للمدينة، وإمكانية لربط الإبداع الفني بحاجات المجتمع وتطلعاته التنموية. فحين تحتضن المدينة تظاهرة ثقافية ذات امتداد مغاربي، فإنها لا تستقبل أعمالاً فنية فحسب، بل تفتح أبوابها أمام تجارب إنسانية وجمالية مختلفة، وتمنح نفسها فرصة للتعريف بمؤهلاتها الثقافية وتعزيز إشعاعها.
لقد اعتدنا النظر إلى التنمية من زاوية البنيات التحتية والطرق والمرافق والاستثمارات الاقتصادية، وهي عناصر أساسية في بناء المجتمعات وتطوير المجالات الترابية. غير أن التنمية لا تكتمل من دون الاستثمار في الإنسان، وفي قدراته الفكرية والإبداعية، وفي حقه في الثقافة والمشاركة في الحياة الفنية. فالمدينة ليست مجرد عمران، وإنما هي أيضاً ذاكرة جماعية، وهوية ثقافية، وفضاءات للحوار والتفاعل، وقدرة على إنتاج الأفكار والتعبيرات التي تمنح وجودها معنى يتجاوز حدود الجغرافيا.
ومن هنا، تكتسب المبادرات الثقافية المنظمة أهمية خاصة، لأنها تجعل الفن جزءاً من الحياة العامة، وتمنح الجمهور فرصة للانفتاح على تجارب جديدة، كما تتيح للمبدعين فضاءً للتواصل وتبادل الرؤى. ويشكل المهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة مثالاً على هذه الإمكانية، من خلال ما يوفره من مناسبة للاحتفاء بالسينما والتعريف بتجاربها، وتعزيز اللقاء بين الفنانين والمهنيين والجمهور.
ولا يمكن الحديث عن هذه التجربة من دون التوقف عند مساهمتها السابقة في مجال التكوين. فقد ساهم المهرجان، خلال فترات تنظيمه، في إتاحة فرص للتكوين والاستفادة من الخبرات، وهو جانب أساسي في التنمية الثقافية، لأن قيمة التظاهرة لا تكمن فقط في الأعمال التي تعرضها، بل أيضاً في المعارف التي تتيحها، والمهارات التي تساعد على تطويرها، والآفاق التي تفتحها أمام المهتمين بالمجال السينمائي.
إن التكوين الفني ليس نشاطاً ثانوياً، بل هو استثمار طويل الأمد في الطاقات البشرية. فالشباب الذين يجدون فرصة للاحتكاك بالتجارب المهنية واكتساب المعارف المتعلقة بالصورة والسينما يستطيعون تطوير تصوراتهم عن العمل الإبداعي، واكتشاف إمكانات جديدة للتعبير والإنتاج. ومن ثم، فإن المبادرات التكوينية المرتبطة بالمهرجانات يمكن أن تسهم في توسيع قاعدة الممارسة الفنية، وتساعد على الانتقال من مجرد متابعة المنتوج السينمائي إلى امتلاك الأدوات التي تسمح بصناعته.
وتتجاوز أهمية هذه المبادرات بعدها المعرفي، لتلامس كذلك مسألة العدالة الثقافية، من خلال توسيع فرص الاستفادة من التكوين والخبرات الفنية خارج المراكز الكبرى. فالمدن والجهات التي تتوفر على مواهب شابة تحتاج إلى فضاءات تمنح هذه المواهب فرصاً للتعلم والتجريب والتواصل مع المهنيين. وحين تساهم التظاهرات الثقافية في توفير جزء من هذه الفرص، فإنها تؤدي دوراً يتجاوز حدود برنامجها السنوي، لتصبح جزءاً من دينامية أوسع لبناء القدرات المحلية.
وإلى جانب هذا البعد التكويني، أسهم تنظيم المهرجان في تنشيط الحركة الاقتصادية خلال فتراته السابقة. فالتظاهرات الثقافية تستدعي مجموعة من الخدمات المرتبطة باستقبال الضيوف والمشاركين، والإيواء والمطاعم والنقل، فضلاً عن الخدمات التقنية والتنظيمية والتواصلية. وتخلق هذه الأنشطة حركة اقتصادية مرتبطة بزمن المهرجان، يستفيد منها عدد من الفاعلين المحليين، وتبرز كيف يمكن للثقافة أن تتقاطع مع الاقتصاد وتساهم في تحريك بعض قطاعاته.
وهنا تتجلى إحدى أهم الأفكار التي ينبغي ترسيخها في النقاش حول التنمية المحلية: الاستثمار الثقافي ليس منفصلاً عن الاستثمار الاقتصادي، بل يمكن أن يكون مكملاً له ومولداً لفرص إضافية. فالمهرجان السينمائي لا ينتج قيمة رمزية فقط من خلال الأفلام والنقاشات واللقاءات، وإنما يستطيع أيضاً أن يحرك الخدمات، ويخلق حاجات مهنية، ويفتح فرصاً للتعاون بين المؤسسات والفاعلين الثقافيين والاقتصاديين.
صحيح أن قياس الأثر الاقتصادي لأي تظاهرة يقتضي معطيات دقيقة حول حجم الإنفاق المحلي وفرص العمل التي تحققت، لكن وجود حركة اقتصادية مرتبطة بتنظيمها يلفت الانتباه إلى أهمية إدماج الثقافة في التصورات التنموية، وعدم التعامل معها باعتبارها مجالاً منفصلاً عن حاجات المدينة ومصالح سكانها.
وفي هذا السياق، تبرز تجربة جمعية سيني مغرب، برئاسة السيد خالد سلي، باعتبارها مبادرة ثقافية تتيح التفكير في دور العمل الجمعوي المنظم في خلق دينامية داخل المجال المحلي. فتنظيم مهرجان سينمائي يتطلب عملاً متواصلاً، وتنسيقاً بين مختلف المتدخلين، وقدرة على تعبئة الموارد البشرية والتنظيمية، فضلاً عن بناء علاقات مع الفنانين والمؤسسات والشركاء. وكل ذلك يجعل الفعل الثقافي مجالاً للممارسة المؤسساتية والتعاون، وليس مجرد نشاط فني معزول.
إن تثمين هذه التجربة لا يعني النظر إلى المهرجان باعتباره مسؤولاً وحده عن التنمية الثقافية والاقتصادية بوجدة، وإنما الاعتراف بما يمكن أن تقدمه المبادرات الفنية من قيمة مضافة حين تجد بيئة داعمة، وشراكات فعالة، ورؤية تجعل من الثقافة جزءاً من مشروع تنموي متكامل. فالجماعات الترابية والمؤسسات العمومية والجامعات والجمعيات والقطاع الخاص، جميعها تستطيع أن تسهم في توسيع أثر هذه المبادرات، من خلال توفير فضاءات ملائمة، ودعم التكوين، وتشجيع الإنتاج الفني، وربط التظاهرات الثقافية بمشاريع تستمر طوال السنة.
كما أن من المهم التفكير في كيفية جعل المكتسبات التي تحققت خلال الدورات السابقة منطلقاً لتطوير التجربة مستقبلاً، عبر تعزيز فرص التكوين، وتشجيع المواهب المحلية، وتوسيع التعاون مع المؤسسات التعليمية والثقافية، وربط الجمهور بالسينما من خلال أنشطة تتجاوز زمن المهرجان. فاستدامة الأثر الثقافي لا تتحقق بمجرد تكرار موعد سنوي، بل ببناء علاقات ومبادرات ومشاريع تجعل الثقافة حاضرة في الحياة اليومية للمدينة.
ويمكن لهذا التوجه أن يفتح المجال أمام ربط السينما ببقية التعبيرات الفنية، وفي مقدمتها المسرح والكتابة والموسيقى والفنون البصرية. فالمجالات الإبداعية، على اختلاف أدواتها، تتقاطع في قدرتها على التعبير عن الإنسان والمجتمع، وتتيح فرصاً للتعاون وتبادل الخبرات. ومن شأن بناء جسور بينها أن يوسع إمكانات الإنتاج الثقافي المحلي، ويمنح المبدعين فضاءات إضافية للعمل والتجريب.
كما أن التنمية الثقافية الحقيقية تقتضي النظر إلى الجمهور باعتباره شريكاً في الفعل الفني، لا مجرد متلقٍّ له. فكلما اتسعت مشاركة السكان، ولا سيما الشباب، في الأنشطة الثقافية، ازدادت فرص بناء علاقة مستدامة بين المجتمع والفنون. وتصبح السينما عندئذ وسيلة للتربية على الصورة، وتنمية الحس النقدي، وتعزيز الحوار حول القضايا الاجتماعية والإنسانية، فضلاً عن كونها مجالاً للإبداع والتعبير.
إن ما يجعل الثقافة رافعة للتنمية ليس فقط قدرتها على جذب الجمهور أو استقطاب الاهتمام الإعلامي، بل إمكاناتها في بناء الإنسان، وتحريك الطاقات، وخلق فرص التفاعل والإنتاج. ومن هنا، فإن المهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة يقدم مناسبة للتأمل في كيفية تحويل المبادرات الثقافية إلى جزء من رؤية تنموية تجعل من الإبداع مورداً محلياً، ومن الفن مجالاً للتعلم والعمل والتواصل.
إن المدينة التي تستثمر في ثقافتها لا تستثمر في صورتها أمام الآخرين فقط، بل تستثمر أيضاً في قدرات أبنائها، وفي ذاكرتها، وفي إمكاناتها لتجديد ذاتها. فالإشعاع الثقافي يمنح المجال الترابي حضوراً رمزياً، لكن التكوين والمشاركة والإنتاج هي العناصر التي تساعد على تحويل هذا الإشعاع إلى قيمة مستدامة.
ومن هذا المنظور، فإن تجربة المهرجان الدولي المغاربي للفيلم بوجدة، الذي تنظمه جمعية سيني مغرب برئاسة السيد خالد سلي، تستحق أن تكون جزءاً من النقاش حول موقع الثقافة في التنمية المحلية، بالنظر إلى ما أتاحته خلال فتراته السابقة من فرص للتكوين، وما صاحب تنظيمه من حركة اقتصادية، وما يمثله من إمكانات لتعزيز الحضور الثقافي للمدينة.
إن الرهان اليوم ليس فقط الحفاظ على المهرجانات والتظاهرات الفنية، بل تطوير قدرتها على إنتاج أثر يتجاوز زمن انعقادها، من خلال شراكات مستمرة، وبرامج تكوينية، ومبادرات داعمة للمواهب، وربط الثقافة بمختلف أبعاد التنمية. فحين تتكامل جهود الفاعلين الثقافيين والمؤسسات المحلية، يصبح بالإمكان تحويل التظاهرة الفنية من حدث محدود زمنياً إلى حلقة ضمن مسار متواصل لبناء الحياة الثقافية.
وفي النهاية، ربما تكمن القيمة الأعمق لهذه التجربة في تذكيرنا بأن التنمية لا تُقاس فقط بما نشيده من مبانٍ وما ننجزه من مشاريع مادية، بل أيضاً بما نمنحه للإنسان من فرص للتعلم والإبداع والمشاركة. فالثقافة ليست زينة تضاف إلى المدينة بعد اكتمال عمرانها، وإنما هي أحد العناصر التي تمنح هذا العمران روحه ومعناه.
وحين تستثمر المدينة في الفن، فإنها لا تصنع لنفسها إشعاعاً ثقافياً فحسب، بل تفتح أمام الإنسان إمكانات جديدة للتعبير والعمل، وتجعل من الإبداع قوة قادرة على الإسهام في بناء مستقبلها.

تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الخميس 15 أكتوبر 2026 - 23:03

الحدوشي يقدم مصطفى بنيس سنفونية طنجة في لقاء ثقافي بمسرح رياض السلطان

الخميس 15 أكتوبر 2026 - 22:39

صاحبة السمو الملكي الأميرة للا أسماء تدشن بالرباط جامعة للا أسماء : بشراكة مع معهد باستور وشيكاغو ولوفان ومونبليي، المغرب يقدم للعالم أول جامعة دامجة

الخميس 15 أكتوبر 2026 - 18:51

زيارة ميدانية لمقبرة الإحسان بإقليم مديونة

الخميس 15 أكتوبر 2026 - 16:29

المناظرة الجهوية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني الأخضر بجهة الدار البيضاء–سطات تحت شعار:*جذورتضامنية،مستقيل مستدام *