نورالدين قربال
عاشت الحكومة الحالية مجموعة من الأعطاب على جميع المستويات، أهمها عدم الالتزام ببرنامجها الذي عن طريقه نصبت من قبل البرلمان، لأن البرنامج عقد بين السلطة التنفيذية، والسلطة التشريعية، وكافة المواطنات، والمواطنين. والطامة الكبرى أنها لا تتواصل سياسيا لتبيان عملها إن كان هناك عمل. بذلك ساهمت في طمس معالم الحوار السياسي الذي يشكل التيمة المركزية للاختيار الديمقراطي.
بهذا العطب السياسي، اندثرت الحياة السياسية، والعمل السياسي، وانعدمت الثقة في عملها ووجودها، لأن الثقة منظومة فكرية وأخلاقية تترجم عمليا بالإنجاز. لقد أثر هذا الوضع السياسي البئيس للحكومة مما جعل الجميع يطرح مصداقية البرامج السياسية الصادرة عن الهيآت السياسية أثناء طرح سؤال التقويم والمسؤولية والحكامة والسلطة باعتبارها توزيعا عادلا لقيم الديمقراطية بين الجميع.
لقد أحسنت الحكومة ركوب صهوة المصالح الذاتية، والفساد في أبشع صوره والمحسوبية والزبونية، وأبدعت في تضارب المصالح وتنازعها والمؤشر لهذا اليوم هو عشرات البواخر في الموانئ تنتظر إصدار مرسوم الإعفاء حتى يتم الهجوم على الفلاح المغربي خاصة الصغير منه الذي انتعش في هذه السنة بفضل الأمطار التي عرفتها بلادنا والحمد لله.
أمام هذا الوضع المزرى الذي أصبحت فيه الحكومة هي الآمر والناهي، يطرح سؤال المشاركة السياسية خاصة ونحن مقبلون على استحقاقات مفصلية في شتنبر 2026؟ إن ما يقع لا يفسر إلا بالتراجع الكبير عن الاختيار الديمقراطي الذي أصبح ثابتا من ثوابت الأمة. فكل المؤشرات الديمقراطية تدل على أننا فقدنا البوصلة الديمقراطية في عصر هذه الحكومة التي لا ترقب في المواطنات والمواطنين إلا ولا ذمة. لقد تحدوا كل الحدود فأصبحوا يضربون الأسداس بالأخماس. الأدهى من هذا كله أنه عندما يصاب الاختيار الديمقراطي بالخلخلة ينعكس على الأبعاد الاجتماعية بالتشويش، فتضرب التعددية في الصميم، وتفتقر إلى الموضوعية، ويصاب المشترك الوطني بالدخن، والكارثة الكبرى عندما تسقط الحكومة في النفاق السياسي، حيث نعيش مفارقة شاسعة بين الخطاب والواقع، والذي يؤثر على مستقبل الأمة.
إن هذا الاختلال الديمقراطي، الوطني يؤثر في المشهد الترابي حيث نفقد معالم الديمقراطية المحلية، فيختلط الحابل بالنابل عندما نؤسس لتعاقدات صورية بين السلطات العمومية والمؤسسات المنتخبة. تجلى هذا في غياب العدالة المجالية، المتجلية في غياب تكافؤ الفرص في الولوج إلى الخدمات العمومية خاصة على مستوى الماء والصحة والتعليم والسكن، والعمل، والبنيات التحتية، وغيرها. إنها أزمة مجتمعية جعلت جيلz يتظاهرون من اجل مطالب سياسية واجتماعية، وبالمناسبة نثمن الإفراج عن المعتقلين منهم ونتمنى الإفراج عن الجميع حتى نحضر بنية حقوقية تساعد على بعث الامل في المشاركة السياسية، يجب أن نعزز هذا الاختيار الحقوقي بالإنصاف والمصالحة والحوار.
إن للاختيار الديمقراطي مؤشرات تترجم عن طريق الممارسة، وهذا ما افتقرناه في هذه الحكومة التي تعيش الليبرالية المتوحشة التي تدعي أنها تحمي القدرة الشرائية للمغاربة، وهذا بهتان مبين. أما عندما تبتلى البلاد بكوارث طبيعية، لا تتحرك الحكومة إلا بصورة محتشمة، مما يتسبب في خسائر مادية وبشرية للأسف الشديد، إذن أين العيش الكريم والخطابات الوردية التي تذاع في قنوات للأسف مأجورة بالمقابل هناك قنوات التي تبرز أعطاب الحكومة الحالية. إضافة التسقيف الذي اعتمدته الحكومة في التوظيف مما حرم مجموعة من الشباب من التباري على المناصب العمومية.
إنه اختيار حكومي الذي أهمل مجموعة من المناطق بانحياز وحسابات ضيقة وقرابات متنوعة، تؤكد إحصاءات رسمية صادرة عن الحكومة أن المشاريع المنجزة على مستوى الجهات تتأرجح بين 78 مشروعا و4 مشاريع. فأين العدالة المجالية؟ أين تطبيق الميثاق الجديد للاستثمار؟ لقد قدر نصيب المناطق الجنوبية ب 15 مشروعا، فهل هذا محفز على تنزيل مبادرة الحكم الذاتي بالمناطق الجنوبية؟ وتطرح الأسئلة التالية: هل عبأت الحكومة 550 مليار درهم؟ هل وظفت 500 ألف منصب شغل؟ ما هي حصيلة ما ذكر بين 2022 و2026؟ أين مبدأ التوازن المجالي؟
تتبجح الحكومة بالدعم الاجتماعي الذي لامس 4 ملايين أسرة حسب مصادرها، وهذا الإجراء لم يخضع لمنظومة تراعي كرامة المواطن، والعدالة والفاعلية، إضافة إلى الاختلالات التي يعرفها ما اصطلح عليه بالمؤشر. فهل فعلا انتقل المواطن أو المواطنة المستفيدة من الهشاشة إلى الاندماج في الدورة الاقتصادية كما تدعي الحكومة؟ لقد ادعت الحكومة في البرلمان بأنها ستعيد النظر في المؤشر، ويمكن الجمع بين العمل والاستفادة بشكل استثنائي حسب تعديل تشريعي، لكن السؤال المطروح هو الدعم الذي لا يتجاوز 500 درهم لأسرة في واقع مليء بالأزمات، إنه الضحك على الذقون.
وأخيرا وليس آخرا إن الحكومة لا تعمل بمهنية في إطار استراتيجيات واضحة، وبدون احترام المؤسسات واقتراحاتها إلى الحكومة خاصة المؤسسات الدستورية المتعلقة بالحكامة. لذلك يجب أن ترحل غير متأسفين عليها، لأن المغرب تنتظره تحديات استراتيجية أهمها إنزال مبادرة الحكم الذاتي، وتنظيم كأس العالم، والتقليص الإيجابي من الفوارق الاجتماعية والمجالية، وإحداث الجدلية بين السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي، والمدني والبيئي والتنموي، والعودة إلى الرؤية الاستراتيجية للتربية والتكوين والتي تستمر إلى 2030، والقانون الإطار الذي وضع بأمر مولوي رقم 51.17، من أجل رسم معالم الارتقاء الفردي والمؤسساتي، وتكافؤ الفرص، والمساواة، والمناصفة، والجودة.
إن ما سطرناه في هذه الصفوة من القول لا يتحقق إلا بالاهتمام بالثقافة البانية وليس البهرجة والتفاهة، لأن هذا مرتبط بتشكيل العقل الواعي الذي يميز بين السعادة والشقاء. إننا اليوم نعيش أزمات فكرية وعقلية مما خلق أزمة الوعي والارتقاء في سلم السلوك المدني والحضاري، وبناء الوعي المجتمعي، وصناعة المعاني المتناغمة مع المباني. إن البناء الحضاري يحتاج إلى العقل الحضاري.
إن تحرير الاختيارات من التخلف الذي أنتجته الحكومة مرتبط بتعزيز الشفافية، وتفعيل مبدأي الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وصناعة التوازنات والحد من المضاربات. إن إخراج البلاد من السرعتين يحتاج إلى الثقة والاقتناع بالجدوى من العمل السياسي، وهذا يتوقف على احترام الاختيار الدمقراطي، ومواجهة الريع التشريعي، وتسجيل مواقف سياسية تليق بالمقام والمقال.




تعليقات
0