«الكونجي»… حين تبحث الشخصيات عن روحها الجماعية

لينا بريس الجمعة 11 سبتمبر 2026 - 07:24

محمد أمين مداح

قدّمت فرقة رواد الخشبة للمسرح عرضها المسرحي «الكونجي» على خشبة مسرح محمد السادس بوجدة، من تأليف مسكيني صغير وإخراج حفيظ بدري. وباعتباره عرضاً أولاً، يمكن القول إن العمل استطاع أن يقدّم مجموعة من العناصر الفنية التي تؤشر على اشتغال واضح، سواء على مستوى بناء الشخصيات أو توظيف الفضاء المسرحي أو أداء الممثلين.

العرض، في مجمله، كان مقبولاً، بل حمل في بعض لحظاته عناصر تستحق التوقف عندها. غير أن هناك مجموعة من الملاحظات الدراماتورجية والإخراجية التي يمكن أن تساعد، في حال الاشتغال عليها، على تطوير التجربة ومنح العرض انسجاماً أكبر وخصوصية أوضح.

أولى الملاحظات التي تستوقف المتلقي ترتبط بالإعداد الدراماتورجي. فالعرض يبني أحداثه داخل فضاء مخيم صيفي، وهو اختيار يفرض على النص والممثلين خلق عالم له قواعده الزمنية والمكانية الخاصة.

غير أن بعض الحوارات جاءت متناقضة مع هذا العالم؛ فعلى سبيل المثال، يتحدث بعض الشخصيات عن الذهاب إلى الجامعة من أجل الدراسة، وهو ما يخلق التباساً حول الزمن الذي تجري فيه الأحداث وطبيعة الشخصيات وموقعها داخل الحكاية.

قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها في المسرح ليست دائماً كذلك، لأن المتلقي يبني علاقته مع العرض انطلاقاً من المنطق الداخلي للعالم الذي تقترحه المسرحية. وكلما كان هذا العالم منسجماً، أصبح من السهل على الجمهور أن يصدّق الشخصيات ويتفاعل مع الأحداث.

لذلك، يبدو أن النص في حاجة إلى مراجعة دراماتورجية دقيقة توحّد المرجعيات الزمنية والاجتماعية للشخصيات، وتزيل التناقضات التي قد تشتت انتباه المتلقي.

ومن أجمل عناصر العرض، في تقديري، طريقة استغلال الديكور. فالديكور لم يبق مجرد خلفية ثابتة للأحداث، وإنما استطاع الممثلون التعامل معه وتوظيفه داخل الفعل المسرحي. وهذا يحسب للمخرج وللممثلين معاً، لأن نجاح الديكور في المسرح لا يرتبط فقط بجماله أو وظيفته البصرية، وإنما بمدى قدرته على الدخول في علاقة حية مع الممثل.

وقد بدا أن هناك وعياً بهذه المسألة، وهو ما منح الفضاء المسرحي حضوراً فعلياً داخل العرض.

وعلى مستوى الأداء، يمكن ملاحظة أن معظم الممثلين كانوا في مستوى مقبول، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الأمر يتعلق بعرض أول. والأهم أن الشخصيات لم تبدُ سطحية أو عابرة؛ فقد ظهر أن هناك اشتغالاً على بناء الشخصية وفهم ملامحها، وهو أمر إيجابي يحسب للتجربة.

لكن هنا تحديداً تظهر الملاحظة الأساسية التي تركها العرض لديّ: كل ممثل كان حاضراً داخل شخصيته، لكن المجموعة لم تكن حاضرة دائماً ككيان واحد.

بمعنى آخر، كانت الشخصيات موجودة، وكان لكل شخصية ملامحها وأدواتها، لكن العلاقة بينها لم تصل في جميع اللحظات إلى الدرجة التي تجعلنا نشعر بأننا أمام مجموعة تعيش الحدث نفسه وتتقاسمه بالطاقة نفسها.

وهذا ما يمكن تسميته بـ«الانسجام الجماعي» أو «الروح الجماعية للعرض».

في المسرح، وخصوصاً في الكوميديا، لا يكفي أن يكون كل ممثل جيداً بمفرده. قوة المشهد كثيراً ما تولد من العلاقة بين الممثلين: من نظرة، أو رد فعل، أو صمت، أو توقيت، أو مقاطعة، أو حتى طريقة الوقوف في الفضاء.

أحياناً يكون الممثل الجيد هو الذي لا يؤدي دوره فقط، وإنما يصغي إلى العرض كله.

وهنا ربما يحتاج «الكونجي» إلى مزيد من الاشتغال على المجموعة، وليس فقط على الشخصيات منفردة.

وإذا كانت أحداث المسرحية تدور في مخيم صيفي، فإن هذا المكان لا ينبغي أن يظهر فقط من خلال الديكور أو الحوار، بل يجب أن يصبح حاضراً في سلوك الشخصيات وطريقة حركتها وعلاقاتها وطاقة المشاهد.

فالمخيم الصيفي يحمل بطبيعته جواً خاصاً: الحركة، الشباب، اللعب، الفوضى، العلاقات، المنافسة، الصداقة، وربما الصدامات والمواقف الكوميدية.

وقد شعرت أثناء مشاهدة العرض أن المكان كان حاضراً بصرياً، لكن روح المكان لم تكن حاضرة دائماً بالقدر نفسه في الأداء.

وهذا ربما يفسر الإحساس بوجود شيء ناقص رغم أن عناصر العرض الأساسية كانت موجودة.

المطلوب هنا ليس بالضرورة إضافة مشاهد جديدة، وإنما العمل على خلق مناخ جماعي يجعل المتفرج يشعر بأنه دخل فعلاً إلى عالم المخيم، وأن الشخصيات لا تأتي إلى هذا المكان فقط لكي تقول حواراتها، بل إنها تعيش داخله.

هناك أيضاً مساحة يمكن الاشتغال عليها على مستوى الإيقاع. فالإيقاع المسرحي لا يصنعه الكلام وحده، وإنما تصنعه الحركة، والصمت، وردود الأفعال، وتوقيت الدخول والخروج، والعلاقة مع الديكور، والأهم العلاقة بين الممثلين.

وكلما أصبح هناك انسجام أكبر بين هذه العناصر، أصبح العرض أكثر حيوية، خصوصاً في العمل الكوميدي الذي يحتاج إلى دقة كبيرة في التوقيت وفي بناء المفارقة.

في النهاية، «الكونجي» ليس عرضاً يخلو من الملاحظات، لكنه في الوقت نفسه ليس تجربة تفتقر إلى مقومات الاشتغال. على العكس، ما يلفت الانتباه هو وجود عناصر جيدة يمكن البناء عليها: اشتغال واضح على الشخصيات، أداء مقبول، واستثمار موفق للديكور والفضاء.

أما الملاحظات الأساسية، فتتعلق أكثر بالانسجام الدراماتورجي للنص، وبناء عالم المسرحية، ثم الانتقال من الاشتغال الفردي على الشخصيات إلى خلق مجموعة مسرحية متماسكة لها نفس واحد وطاقة مشتركة.

وربما يكون هذا هو التحدي الحقيقي أمام العرض في مراحله المقبلة:

أن تنتقل الشخصيات من مجرد أن تكون كل واحدة منها موجودة، إلى أن تصبح معاً عالماً واحداً.

وبالنسبة إلى عرض أول، فإن هذه الملاحظات لا تنتقص من قيمة التجربة، بل يمكن أن تكون مدخلاً لتطويرها وصقلها. فالمسرح، في النهاية، لا يكتمل في لحظة العرض الأولى، وإنما يستمر في النمو من خلال الملاحظة، وإعادة الاشتغال، والإنصات إلى ما يحدث فوق الخشبة وما يصل إلى المتلقي.


تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Google News تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على WhatsApp تابعوا آخر الأخبار من لينابريس على Telegram

أضف تعليقك

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)

من شروط النشر : عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الإلهية، والابتعاد عن التحريض العنصري والشتائم.

تعليقات

0

مقالات ذات صلة

الأحد 11 أكتوبر 2026 - 12:58

إحباط محاولة للتهريب الدولي للمخدرات وحجز ما مجموعه ثلاثة أطنان و565 كيلوغراما من مخدر الشيرا.

الأحد 11 أكتوبر 2026 - 01:14

حريق يأتي على حلم شابتين من الحسيمة بعد 3 أشهر فقط من افتتاح مشروعهما

السبت 10 أكتوبر 2026 - 22:53

جمعية مدرسي اللغة الأمازيغية بفرع الحسيمة تدق ناقوس الخطر بشأن تدريس الأمازيغية وتطالب بتدخل عاجل لإنصاف المدرسين

السبت 10 أكتوبر 2026 - 19:55

المجلس الوطني لهيئة الموثقين بالمغرب يعلن عن إطلاق مشروعين هيكليين يندرجان ضمن دينامية تطوير الممارسة المهنية.